القاعدة العامة هي أن قيمة القوانين ليست بعدد الأصوات التي صادقت عليها، ولا بسرعة مرورها داخل المؤسسات، وإنما بما تتركه من أثر في المجتمع الذي جاءت لتنظيمه. أيضا القوانين الكبرى لا تبدأ يوم نشرها في الجريدة الرسمية، بل تبدأ يوم يقرر المجتمع أن يختبرها على أرض الواقع.
هكذا أقرأ اليوم القانون الجديد المنظم للمجلس الوطني للصحافة.
لقد انتهى النقاش التشريعي، ويجب أن يبدأ الآن النقاش الوطني.
فالمهنة وصلت إلى لحظة لا يجوز معها أن يخرج فريق معلناً النصر، وأن يغادر فريق آخر وهو يشعر بالهزيمة. لأن الصحافة ليست مباراة سياسية، ولا معركة انتخابية، ولا ساحة لتصفية الحسابات. إنها إحدى ركائز الدولة الحديثة، وإذا انقسم أهلها، ضعفت هيبتها، وخسر الوطن إحدى أهم أدواته في إنتاج الوعي.
لقد استنزفت الصحافة المغربية سنوات طويلة في صراعات الأشخاص أكثر مما انشغلت بصناعة المؤسسات. وتحول الخلاف المهني إلى اصطفافات، والاختلاف في الرأي إلى خصومات، حتى أصبح الجسم الصحفي يعيش انقساماً غير مسبوق.
لهذا، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه اليوم هو أن نعتقد أن صدور القانون يعني نهاية الأزمة، بينما الحقيقة أنه لا يمثل إلا بداية مرحلة جديدة، قد تنجح إذا تأسست على الحوار، وقد تفشل إذا استمرت بمنطق الغلبة.
ولهذا، فإن أول قرار حكيم ينبغي التفكير فيه هو إطلاق مناظرة وطنية كبرى حول مستقبل الصحافة المغربية، يشارك فيها الصحفيون والناشرون والخبراء والجامعيون والنقابات ومختلف الفاعلين، لا للدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، وإنما للإجابة عن سؤال واحد: أي صحافة يريدها المغرب في العقد القادم؟
إن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون حول الأشخاص، بل حول النموذج.
وأول عنوان في هذا النموذج هو الشفافية.
لقد صُرفت، على امتداد سنوات، اعتمادات مالية مهمة تحت عنوان دعم الصحافة. واليوم، وبعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، لم يعد هناك ما يبرر استمرار الغموض. فمن حق الرأي العام، ومن حق الصحفيين أنفسهم، أن يعرفوا حصيلة هذا الدعم منذ انطلاقه: من استفاد؟ وبأي معايير؟ وما حجم الأموال التي حصلت عليها كل مؤسسة؟ وما الذي تحقق فعلاً
على مستوى تطوير المقاولات الإعلامية، وحماية التعددية، وتحسين أوضاع الصحفيين؟
فالمال العام لا يخضع لمنطق المجاملة، ولا تحكمه العلاقات، بل تحكمه قاعدة واحدة: المحاسبة.
وإذا كان الدعم الاستثنائي الذي أُقر في ظروف خاصة قد استهدف الحفاظ على مناصب الشغل وضمان استقرار العاملين في القطاع، فإن من المشروع اليوم تقييم حصيلته بكل شفافية، والوقوف على كيفية صرفه، ومدى انعكاسه على أوضاع الصحفيين والمؤسسات، لأن تقييم السياسات العمومية جزء من الحكامة، وليس تشكيكاً فيها.
وفي السياق نفسه، لا هروب من مراجعة كل الملفات المرتبطة بالبطاقة المهنية، حتى يطمئن الجميع إلى أن المعايير طُبقت بالميزان نفسه، وأن المهنة لا يدخلها إلا من يستوفي شروطها القانونية، وأن الصحفي المهني يبقى صحفياً بالممارسة والكفاءة والالتزام، لا بالولاءات ولا بالاصطفافات.
إن احترام القانون لا يكتمل إلا حين يشعر الجميع أن القانون يعاملهم على قدم المساواة.
ثم إن الصحافة ليست مجرد مؤسسات تتلقى دعماً، ولا بطاقات مهنية تُمنح أو تُسحب، بل هي قبل كل شيء سلطة أخلاقية. وهذه السلطة لا يمكن أن تستقيم إذا بقيت بعض الأصوات تنصب نفسها أوصياء على المهنة، توزع شهادات الوطنية، وتمنح صكوك المهنية، وتصنف الناس بين صحفي حقيقي وصحفي مزيف وفق ميزان القرب والبعد.
لقد انتهى زمن الأصنام.
وانتهى زمن الزعامات التي لا تُراجع.
وانتهى زمن الاعتقاد بأن بعض الأسماء أكبر من المؤسسات.
فالصحافة، مثل الدولة، لا تُبنى بالأشخاص، وإنما تُبنى بالقواعد.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة كشف لا مرحلة انتقام، ومرحلة تدقيق لا مرحلة تصفية حسابات، ومرحلة إصلاح لا مرحلة تشفٍّ. المطلوب ليس محاكمة الماضي، وإنما فهمه، حتى لا يتكرر. وليس المقصود التشهير بأحد، وإنما ترسيخ ثقافة تعتبر أن كل درهم من المال العام يجب أن يكون قابلاً للتتبع، وأن كل قرار مهني يجب أن يكون قابلاً للمراجعة، وأن كل مؤسسة يجب أن تكون خاضعة للمساءلة.
فالدولة التي اختارت إصلاح القطاع مطالبة اليوم بأن تمنح هذا الإصلاح عمقه الحقيقي: الشفافية، والحكامة، وتكافؤ الفرص.
أما الصحفيون، فعليهم أن يدركوا أن أكبر معركة ليست حول من يفوز بمقاعد المجلس، وإنما حول استعادة ثقة المجتمع في الصحافة. فحين يفقد المواطن ثقته في الإعلام، لا يخسر
الصحفي وحده، بل تخسر الدولة أحد أهم أسلحتها الناعمة.
اليوم، وبعد أن دخل القانون الجديد حيز التنفيذ، لم يعد السؤال: من ربح ومن خسر؟
السؤال الحقيقي هو: هل سنبني مجلساً جديداً بعقلية جديدة، أم سنعيد إنتاج الأزمة بوجوه مختلفة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
ولا قداسة بعد اليوم إلا للقانون.
ولا حصانة إلا للمؤسسات.
ولا امتياز إلا للكفاءة.
ولا سلطة تعلو على حق المجتمع في المعرفة، وحق الصحفي في ممارسة مهنته بحرية ومسؤولية، وحق المال العام في أن يخضع للشفافية والمساءلة.
فالأوطان لا تُبنى بالأصنام…




















