في طل المجالات، ليست كل المعارك جديرة بأن تُخاض داخل المحاكم. فهناك معارك تكسبها في المحكمة، وتخسرها في وجدان الناس. وهناك انتصارات قانونية قد تتحول إلى هزائم سياسية، لأن الصورة التي تستقر في الذاكرة الجماعية أقوى من أي حكم قضائي.
أقول منذ البداية إن ما أكتبه هو تقدير شخصي، لا يلزم إلا صاحبه. لكن، حسب هذا التقدير، فإن لجوء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى متابعة عدد من المؤثرين الذين انتقدوا أداء المنتخب الوطني بعد مباراة فرنسا، إذا ثبت ذلك، ليس الخيار الذي يخدم المشروع الكروي المغربي، ولا الصورة التي بناها هذا المشروع خلال سنوات.
لقد نجح المغرب، تحت القيادة الملكية، في تحويل كرة القدم من مجرد لعبة إلى مشروع دولة. ولم يعد المنتخب الوطني مجرد أحد عشر لاعباً، بل أصبح عنواناً لطموح وطن، وواجهة لصورة المغرب الجديدة، وثمرة رؤية استراتيجية استثمرت في البنيات التحتية، وفي التكوين، وفي الحكامة، حتى صار الإنجاز الرياضي جزءاً من الإنجاز الوطني.
وحين يصبح المشروع مشروعاً وطنياً، فإن أول شروط نجاحه أن يحتمل النقد. فالجمهور ليس خصماً، حتى عندما يغضب. والناقد ليس عدواً، حتى عندما يبالغ. لأن كرة القدم، في كل الديمقراطيات الحية، هي أكثر المجالات التي تُمارس فيها حرية التعبير بعفوية، ومن دون حسابات. ينتقد الناس المدرب، واللاعبين، والرئيس، ثم يعودون في المباراة التالية ليهتفوا بالأسماء نفسها إذا تغير الأداء.
ولذلك فإن الرد الطبيعي على موجة الانتقاد لم يكن ينبغي، في تقديري، أن يكون بالشكايات، بل بالمعلومة. كان الناس ينتظرون من يشرح لهم: لماذا ظهر المنتخب بهذا المستوى؟ هل كانت هناك إصابات؟ إرهاق؟ اختيارات تقنية؟ ظروف خاصة؟ فالجمهور يتسامح مع الإخفاق عندما يفهم أسبابه، لكنه لا يتقبل بسهولة أن يشعر بأن النقد أصبح باباً إلى القضاء.
ثم إن هناك بعداً آخر لا يقلط أهمية. فمنذ سنوات، ارتبط اسم فوزي لقجع بهذا المشروع الكروي حتى أصبحت الجامعة، في الوعي العام، تكاد تختزل في شخصه. قد يكون ذلك منصفاً أو غير منصف، لكنه واقع سياسي وإعلامي. ولذلك فإن كل قرار يصدر عن الجامعة يُقرأ، في النهاية، على أنه قرار يحمل توقيعه المعنوي، حتى وإن كانت المؤسسات تشتغل بمنطق جماعي.
وهنا تكمن الحساسية. لأن الرأي العام لا يفصل دائماً بين المؤسسة ورئيسها. وإذا كانت هناك بالفعل شكايات ضد منتقدين، فإنها لن تُحسب على الجامعة وحدها، بل ستُحسب على صورة فوزي لقجع نفسه، الرجل الذي يقدمه كثيرون باعتباره أحد أبرز الوجوه التي راكمت تجربة في التدبير، بل ويضعه البعض ضمن الأسماء التي قد يكون لها شأن سياسي أكبر في المستقبل.
ورجل الدولة لا يُقاس فقط بما ينجزه، بل أيضاً بقدرته على استيعاب النقد. فكلما اتسعت المسؤولية، اتسعت معها مساحة الصدر. والسلطة، في معناها الحديث، ليست القدرة على الرد، بل القدرة على التمييز بين الإساءة التي يعالجها القانون، وبين النقد الذي ينبغي أن يجد مكانه الطبيعي داخل الفضاء العام.
لقد كانت الصورة التي حمل فيها اللاعبون فوزي لقجع على الأكتاف بعد أحد الإنجازات محل نقاش واسع، لأنها خلطت، في نظر البعض، بين رمزية المنتخب ورمزية المسؤول. واليوم، إذا أضيف إلى تلك الصورة مشهد متابعة منتقدين بسبب آرائهم الرياضية.
وإذا كانت بعض القراءات السياسية تضع اسم فوزي لقجع ضمن الشخصيات التي قد يكون لها دور سياسي أكبر في المستقبل، فإن صورته كرجل دولة تقتضي، قبل كل شيء، أن يُنظر إليه باعتباره مؤمناً بحرية التعبير وقادراً على استيعاب النقد، لا باعتباره في مواجهة مع المنتقدين.
أثر هذه المتابعات القضائية لن يقف عند حدود كرة القدم، بل قد يمتد إلى صورة المغرب نفسه. المغرب الذي يقدم للعالم نموذجاً لدولة تتوسع فيها مساحات النقاش، ويزداد فيها الإيمان بقوة المؤسسات وثقة الدولة في مجتمعها.
لا أحد ينتصر على جمهوره. والتاريخ الرياضي، كما التاريخ السياسي، يعلمنا أن الجماهير قد تغضب، لكنها لا تنقلب على المشاريع التي تشعر بأنها تحترمها وتحترم حقها في الاختلاف. أما حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، فإن الخاسر الأول لا يكون الناقد، بل الجسر الذي كان يصل المشروع بأصحابه الحقيقيين… الجمهور.
فالمغرب مقبل على استحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وسيحتاج المنتخب، أكثر من أي وقت مضى، إلى مدرجات تؤمن به، لا إلى جمهور يشعر بأن المسافة بينه وبين فريقه الوطني تُقاس بعدد الشكايات.




















