نجيبة جلال
في الحملة الانتخابية، رفع تحالف اليسار مطلب الملكية البرلمانية. والمطلب، في ذاته، ليس نكتة ولا تهمة. إنه تصور لنظام تتولى فيه حكومة منبثقة عن الأغلبية البرلمانية قيادة السلطة التنفيذية، ويشرّع البرلمان ويراقب ويحاسب، فيما تضمن الملكية وحدة الدولة واستمرارها. بعبارة أبسط: من يفوز يحكم، ومن يحكم يتحمل مسؤولية قراراته أمام الناس.
فكرة واضحة على الورق. لكن الورق، كما يعرف المغاربة، صبور جداً.
الملكية البرلمانية تحتاج إلى أحزاب تؤطر المواطنين، وتنتج البرامج والبدائل، وتختار مرشحيها بالكفاءة، وتقبل المحاسبة داخل بيوتها قبل أن تطالب بها في مؤسسات الدولة. تحتاج إلى أغلبية قادرة على الاتفاق حول سياسة عامة ثم الدفاع عنها، ومعارضة قادرة على مراقبتها من موقع المبدأ. وتحتاج، قبل كل شيء، إلى ناخب يثق بأن صوته سيصل كما وضعه في الصندوق.
ثم تأتي واقعة طنجة. أوراق تصويت أثارت شبهات وبحث قضائي لم يقل كلمته النهائية بعد. حزب يتحدث عن استهداف و«سيناريو محبوك»، فيما ينتظر المواطن حقيقة بسيطة: ماذا جرى، ومن المسؤول؟ لا مجال لإدانة أحد قبل ظهور نتائج التحقيق؛ لكن لا شيء يمنع الأحزاب من الاتفاق، منذ الآن، على أن نزاهة الاقتراع أكبر من مصلحة أي واحد منها.
غير أن بعض الأصوات أسرع إلى التهديد من التوضيح، وأحزاباً أخرى لم تجد موقفاً بعد. ربما تنتظر اكتمال الصورة. وربما تنتظر اكتمال التحالفات؛ ففي السياسة، قد يتغير تفسير الواقعة بحسب موقع صاحبها حول طاولة المفاوضات.
هنا يصبح سؤال «معامن؟» سؤالاً جدياً، مهما بدا ساخراً.
دستور 2011 أتاح للنخب السياسية مساحة للمبادرة وتحمل المسؤولية، لكن الأحزاب لم تستثمر دائماً ما أتيح لها. فكيف نقتنع بأنها جاهزة لصلاحيات أوسع، وهي تتعثر أحياناً في أول
امتحان للاستقلالية ووضوح الموقف؟
لقد راكم المغرب أوراشاً ومكتسبات وطنية كبرى. ومن حق من يطالب بتطور نظام الحكم أن يدافع عن تصوره، ومن واجبه أيضاً أن يجيب: كيف ستحمي الأحزاب استمرارية هذه الأوراش إذا تنازعت؟ كيف ستختار المسؤولين؟ وكيف ستحاسب من يسيء إلى ثقة الناس قبل أن تطلب من الناس
أن يمنحوها ثقة أكبر؟
أما المواطن، فيستمع إلى الدرس الدستوري كاملاً، ثم ينظر إلى النخب وخصوماتها، وإلى ما يُطلب من الملكية أن تحسمه كلما استعصى عليها الحسم، ويقول في النهاية: الحمد لله، الملك هو صمام الأمان.
وليست تلك عبارة ضد الديمقراطية. إنها سؤال موجّه إلى الأحزاب: متى تصبحون أنتم أيضاً أهلاً لحمل الأمانة؟




















