نجيبة جلال
حتى نكون عمليين، علينا أن نرفع رؤوسنا من الرمل، وأن ننظر إلى السياسة كما هي، بكل ما فيها من إنجاز ونقص، ومن حسابات وموازين. أما أن نختار رواية مريحة، ثم نطلب من الوقائع أن تنصاع لها، فذلك يصلح للدعاية، لكنه لا يصلح لفهم بلد، ولا لإدارة حكومة.
وأول ما ينبغي قوله إن محاولة إلباس عزيز أخنوش طربوش الفشل المطلق قراءة خاطئة لحصيلته. لدورته الحكومية ما لها وما عليها؛ فيها قرارات تستحق النقد، وأوراش تستحق التقييم، ونتائج لا يجوز محوها لأن خصومة سياسية اقتضت ذلك. ومن حق المختلفين معه أن يناقشوا اختياراته، وأن يسائلوه عن كلفتها وعدالة آثارها. لكن شيطنة الرجل ليست تقييماً لحكومته، بل إعفاء للنقد من واجب تقديم الحجة.
الدولة لا تبدأ من الصفر كلما تبدلت الحكومة. ومن يتولى المسؤولية يرث ما أُنجز وما تعثر، ثم يصبح مطالباً بأن يبني على الأول ويعالج الثاني. ولهذا فإن الاعتراف بإيجابيات الخصم علامة على القدرة على الحكم. أما من يحتاج إلى إلغاء كل ما سبقه كي يثبت وجوده، فإنه يكشف هشاشة حجته قبل أن يكشف ضعف سلفه.
وفي هذا السياق، ينبغي أيضاً قراءة موقع فوزي لقجع بعيداً عن الرغبات التي صنعت له أدواراً، ثم تعاملت معها باعتبارها حقائق. ففي تقديري، لم يكن دخوله الحملة، منذ البداية، إعلاناً عن مشروع شخصي لرئاسة الحكومة. لقد استثمر رصيداً راكمه في كرة القدم، ووضعه في خدمة معركة سياسية. وبين القدرة على تعبئة الناخبين وبين التطلع إلى قيادة السلطة التنفيذية مسافة لا يجوز اختصارها بالتكهنات.
ووجوده، بحسب المعطيات المطروحة، في لجنة المفاوضات ينسجم مع قراءة ترى أنه يؤدي مهمة داخل ترتيب جماعي. لكنه لا يثبت وحده ما سيؤول إليه موقعه. وقد يكون استمراره في مسؤولية مالية أحد الاحتمالات، بحكم تجربته؛ أما تقديم ذلك بوصفه مكافأة محسومة، فسيعيدنا إلى العيب نفسه: إحلال الرواية محل المعلومة.
المشكلة، في نهاية الأمر، أوسع من أخنوش ولقجع. إنها تتعلق بالطريقة التي يُراد بها استقبال المرحلة المقبلة: هل نهيئ لها نقاشاً جاداً في الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة، أم نغرقها منذ البداية في معارك الأشخاص؟
إذا أرادت الحكومة المقبلة النجاح، فعليها أن تتحرر من صناعة الكذب، ومن إعلام يجرها إلى نزاعات فارغة ثم يقدم نفسه حارساً لها. فالدفاع الإعلامي الذي يطمس الوقائع يفسد تقدير المسؤول لما يجري حوله، ويقطع الصلة بينه وبين أسئلة المجتمع.
والمواطن الذي ينتظر عملاً، أو علاجاً، أو مدرسة أفضل لأبنائه، لن يستفيد من انتصار على صورة مشوهة لرئيس حكومة سابق. سيقيس المسؤولين بما تغير في حياته، وبما تحقق من وعودهم، وبقدرتهم على شرح ما تعذر إنجازه.
تلك هي بداية الجدية: أن نعترف بما تحقق، وأن نحدد ما أخفق، وأن نترك للأسماء حجمها الحقيقي. فالحكومة التي تريد أن تصنع حصيلة تستحق الثقة، ينبغي أن تبدأ بعلاقة صادقة مع الحقيقة.




















