بعد نصف قرن من النزاع، يقف ملف الصحراء المغربية، في أكتوبر، أمام اختبار الحصيلة: ماذا أنتج التراكم الدبلوماسي؟ وإلى أي حد تستطيع المواقف الدولية أن تتحول إلى خطوات تقرّب التسوية؟
لقد أمضى المغرب سنوات في بناء موقفه، وتوسيع دائرة المؤيدين لمبادرته، وربط الدفاع عن سيادته بمشروع سياسي وتنموي. واليوم، يعود الملف إلى مجلس الأمن حاملاً حصيلة تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ قراءة ترى ما تحقق، وتحدد ما بقي معلقاً، وتدرك أن الاقتراب من الحل يجعل التفاصيل أكثر أهمية.
من هذه الزاوية، تكتسب الرسالة التي ألقاها ممثل البحرين باسم مجلس التعاون الخليجي دلالتها. فقد جددت دول المجلس دعمها لسيادة المغرب ووحدته الترابية ولمبادرة الحكم الذاتي. وفي ميزان الدبلوماسية، يمنح هذا الموقف الجماعي الرباط سنداً سياسياً واضحاً داخل المنظمة الدولية، ويؤكد ثبات الموقف الخليجي تجاه القضية.
غير أن السند السياسي يكتسب قيمته الكاملة حين يجد طريقه إلى طاولة التفاوض. ولعل المعطيات المنشورة عن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، المؤرخ في فاتح أكتوبر، بشأن الجولات الثلاث التي احتضنتها واشنطن ومدريد خلال يناير وفبراير، تكشف طبيعة المرحلة التي بلغها المسار السياسي.
أبرز ما تحمله هذه المعطيات أن المباحثات اتخذت مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها، في إطار القرار 2797. ولهذا التحول دلالة تتجاوز لغة التأييد: فالمبادرة المغربية أصبحت أرضية تُطرح فوقها الأسئلة العملية للتسوية، وتُناقش من خلالها ترتيبات المستقبل.
وخلال الجولة الأولى في واشنطن، أبدى المغرب استعداده للتعاون في التفاوض على حل مقبول وتنفيذه، بما يتيح للأطراف المشاركة الإسهام في صياغته وتحمل مسؤولية إنجاحه. ولهذا الموقف معنى سياسي: فالثقة في عدالة القضية تمنح صاحبها القدرة على مناقشة ترتيبات التسوية ومواجهة أسئلتها العملية.
وفي مدريد، اتجه النقاش إلى احتمال إنشاء مجلس انتقالي، وإلى الضمانات الدولية وتقاسم الموارد والعفو والمصالحة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والترتيبات الأمنية والانتخابية. ثم عمل فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة على مشروع اتفاق إطاري لمرحلة انتقالية محتملة.
هذه التفاصيل تكشف أن المفاوضات بدأت تتناول البنية التي قد تحمل الحل. لكنها تظل مقترحات قيد النقاش؛ فبحث إنشاء مجلس انتقالي لا يعني الاتفاق على إحداثه، وإعداد مشروع اتفاق إطاري لا يعني اعتماده. وبين الفكرة والقرار مسافة تصنعها المفاوضات، وتحددها الالتزامات والضمانات.
وهذه المعطيات تستدعي قراءة مغربية تجمع بين الثقة والدقة. فقد طُرحت خلال الجولة الثالثة في واشنطن مسألتا السيادة وتقرير المصير، وظلت الخلافات بشأنهما عميقة، بما دفع المشرفين على المفاوضات إلى بحثهما بصورة منفردة مع الأطراف.
لقد دخل التفاوض مرحلة بحث أدوات التسوية وضماناتها، مع بقاء قضايا أساسية موضع خلاف. والتقدم هنا يُقاس بما تتفق عليه الأطراف، وبقدرتها على تحويل المقترحات إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
أما بالنسبة إلى المغرب، فتظل مبادرة الحكم الذاتي تصوراً للتسوية في إطار سيادته ووحدته الترابية.
ثم إن للمفاوضات ظلاً على الأرض. فالمعطيات المنقولة عن التقرير تصف الأعمال العدائية بأنها منخفضة الحدة، وتذكر أن استمرار الأنشطة العسكرية وانعدام الثقة أعاقا العملية السياسية. وانخفاض الحدة لا يلغي أثر السلاح؛ إذ تستطيع مواجهة محدودة أن تعطل بناء الثقة، وأن تعيد النقاش من ترتيبات المستقبل إلى مخاوف الحاضر.
هذا يجعل مسؤولية الأطراف أكثر وضوحاً. فمن يدخل التفاوض مطالب بأن يوفر له شروط النجاح، وأن يثبت في سلوكه الميداني ما يعلنه على الطاولة. كما أن أي تسوية تحتاج إلى انخراط إقليمي مسؤول، وإلى ضمانات تجعل الالتزامات قابلة للتنفيذ والاستمرار.
أما الدور الأميركي، فقد امتد، بحسب المعطيات المنشورة، إلى المشاركة في إدارة الجولات وإعداد مقترحات الاتفاق. وهذا يمنح المسار ثقلاً سياسياً، ويضع على واشنطن والأمم المتحدة مسؤولية مساعدة الأطراف على بناء أرضية للتوافق، ومتابعة ما يمكن أن ينشأ عنها من التزامات.
ذلك هو اختبار أكتوبر. فالمغرب يدخل هذه المرحلة بحصيلة دبلوماسية تمنحه قوة في التفاوض، وبمبادرة توفر تصوراً للحل. والمطلوب الآن أن تنتج هذه القوة تقدماً يمكن قياسه: وضوحاً أكبر في الإطار السياسي، والتزامات أكثر تحديداً، وشروطاً أفضل لبناء الثقة.
لن تنتهي قضية عمرها نصف قرن بمجرد تغير لغة البيانات. لكنها تستطيع أن تدخل طوراً جديداً حين تتغير طبيعة القرارات، وحين يصبح لكل خطوة موعد ومسؤولية وضمانة.
في أكتوبر، تُعرض حصيلة الدبلوماسية المغربية أمام امتحان الفعل. ويُعرض معها استعداد المجتمع الدولي لدفع التسوية إلى الأمام. فالحل يحتاج إلى من يؤيده، ثم يحتاج إلى من يتحمل مسؤولية إنجازه.




















