نجيبة جلال
الحقيقة مُرّة، ومهمة الصحافي أن يقولها: في الصيغة التي قُدّم بها البرنامج الحكومي، يصعب العثور على ما يكفي لممارسة المساءلة. توجد تعهدات كثيرة، وعبارات واسعة، ونوايا معلنة، لكن أين الأرقام التي تسمح بفحص هذه الوعود؟ أين الكلفة، والآجال، ومصادر التمويل، ومؤشرات الإنجاز؟
كنت أتمنى لو قُدّم البرنامج بلغة الأرقام التي سبق أن عرضها فوزي لقجع. عندها، على الأقل، كانت ستتوفر لنا مادة نؤدي بها عملنا: نقارن الموارد بالالتزامات، ونفحص الفرضيات، ونسأل عن الممكن والمؤجل، ثم نعود بعد سنة لنقيس ما تحقق. فالصحافة تحتاج إلى معطيات تستطيع مساءلتها، والمواطن يحتاج إلى معرفة ما ينتظره فعلاً.
لن نتحدث عن الهمزة، ولا عن غياب فصاحة المراكشية بنت الصالحين. فالسؤال الذي يستحق الوقوف عنده يقع في مضمون الخطاب: هل قدمت الحكومة خطة للعمل، أم أعادت ترتيب ما أغضب المغاربة خلال الولاية السابقة ووضعته في صيغة وعود جديدة؟
في تقديري، يبدو الشق المعروض أقرب إلى استثمار سياسي في ذلك الغضب. تضارب المصالح، والريع، والاحتكار، وصعوبة وصول المقاولات الصغيرة إلى الصفقات؛ كلها عناوين حضرت في انتقادات التجربة الماضية، ثم عادت اليوم باعتبارها مداخل لاستعادة الثقة.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
من يتعهد الآن بمعالجة هذه الاختلالات، وأين كان موقعه حين كانت موضوع احتجاج وانتقاد؟
كانت فاطمة الزهراء المنصوري وزيرة في الحكومة السابقة، وكان معها عدد من الوزراء الذين يواصلون مسؤولياتهم اليوم. ولذلك، فإن تقديم تعهدات تستجيب لغضب تلك المرحلة يقتضي تفسيراً لما منع الاستجابة حينها، وما الذي تغير الآن حتى أصبحت المعالجة ممكنة.
هذا سؤال في المسؤولية السياسية، تفرضه استمرارية الأشخاص والأحزاب في تدبير الشأن العام. ومن حق المغاربة أن يسمعوا جواباً عنه قبل أن يُطلب منهم استقبال الوعود نفسها بثقة متجددة.
أما محاربة الفساد، فلا يكفي لإعلانها أن تُجمع أكثر الكلمات قبولاً لدى الناس في فقرة واحدة. قيمتها تبدأ حين نعرف موعد تقديم النصوص، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والوسائل المرصودة لها، وكيف ستُعلن نتائجها. من دون ذلك، تظل العبارة قابلة للتكرار في كل برنامج، بينما تبقى مساءلة أصحابها مؤجلة.
وحتى نسبة الثلاثين في المائة الموعودة للمقاولات الصغرى والمتوسطة تحتاج إلى تفاصيل تجعلها قابلة للفحص: كيف ستوزع؟ وكيف سيُراقب احترامها؟ وما الذي سيمنع استفادة الواجهات والمقاولات المرتبطة بالمصالح نفسها؟ الرقم المنفرد داخل خطاب واسع لا يصنع وحده برنامجاً مرقماً.
ثم يأتي التواصل ليزيد المشكلة وضوحاً. فمقاطع الفيديو المقتطعة والعناوين المحتفلة بإعلان الحرب على الفساد تستطيع نشر الخطاب، لكنها لا تمنحه التفاصيل الغائبة. وحين تكتفي بعض المواقع بإعادة إنتاج لغة التقديم، فإنها تترك المواطن أمام الوعود نفسها، من دون أدوات لفهمها أو تقدير صدقيتها.
لا أطلب من الحكومة أن تكون قد أنجزت برنامجها يوم تقديمه. أطلب أن تقدم ما يسمح بمعرفة كيف ستنجزه. وتلك أبسط شروط التعاقد الذي تتحدث عنه.
لقد كان غضب المواطنين خلال الولاية السابقة تعبيراً عن انتظارات وخيبات وأسئلة معلقة. واستدعاؤه اليوم يمنح الخطاب قوة سياسية، لكنه يرتب على أصحابه مسؤولية مضاعفة، خصوصاً حين يكونون قد شاركوا في تدبير المرحلة التي أنتجته.
كان المنتظر برنامجاً يضع أمام الناس حسابات الحكومة. أما ما قُدّم، في هذا الجانب، فقد وضع أمامهم صدى غضبهم. وبين الاثنين تقع المسافة التي سيتعين على المنصوري أن تقطعها، بقرارات وأرقام ونتائج.




















