د. عبد الله الشيخ
يقدم لنا الكاتب والباحث حسن هموش الصويري، في هذا الإصدار الجديد الموسوم بـ”سيرة البركة لعبد الرحمان باكا”، عملا توثيقيا وأدبيا يجمع بين متعة السرد ورصانة التأريخ، إذ يضطلع بمهمة استعادة سيرة فنان استثنائي طبع المشهد الموسيقي المغربي بصمةً لا تمحوها الأيام، هو المعلم الكناوي عبد الرحمان قيروش الملقب بـ”باكا”، أحد أبرز العازفين على آلة الهجهوج، والعضو المؤسس في مجموعتَي جيل جيلالة وناس الغيوان.
لا يكتفي المؤلف بتقديم ترجمة لحياة الفنان الراحل، بل يصوغ نصا حيا ينهل من معين الذاكرة الجماعية، ومن روايات المقربين( في مقدمتهم ابن باكا الفنان يونس قيروش وعائلته ) والشهادات الحية لرفاق الدرب، ليُعيد بناء صورة متكاملة لرجل جمع في شخصه بين الموهبة الفذة والروح المتمردة، والهوية الصويرية العميقة الجذور. يُقرِب المؤلف القارئ من عوالم المدينة العتيقة موكادور بأزقتها وبحرها وأحيائها العريقة، تلك المدينة التي أنجبت باكا وشكلت مخياله الفني وغذت روحه بأسرار التكناويت منذ نعومة أظافره.
مدينة الصويرة في هذا الكتاب أكثر من مجرد فضاء جغرافي؛ إنها الشخصية الموازية للبطل، المدينة التي التقت فيها روافد ثقافية متعددة: الكناوية الإفريقية، والموسيقى الأندلسية، وتراث الملحون، وإيقاعات حمادشة وعيساوة، مع فن الروايس الأمازيغي. في هذه البيئة الخصبة ولد عبد الرحمان قيروش عام 1948، وفيها تشرَب أصول الفن الكناوي على يد أستاذه المعلم أحمد شباظة ، قبل أن تأخذه رياح الحياة إلى آفاق أرحب.
يتتبع الكاتب بدقة وأمانة المحطات الكبرى في مسيرة باكا الفنية؛ من بداياته المبكرة في ليالي الدردبة بزاوية سيدنا بلال، حيث تعلَم أبجديات التكناوية وأسرار الجذبة، مرورا بالتقائه بفرقة “ليفينك تياتر” المسرحية العالمية، وما نتج عن ذلك من إثراء فني وانفتاح على الموسيقى الغربية، وصولا إلى لقائه الشهير بعازف الروك العالمي جيمي هندريكس في منطقة الديابات، وهو اللقاء الذي يُعدُ في نظر كثيرين أحد أولى تجارب الدمج بين الموسيقي الكناوية والموسيقى الحديثة.
ثم ينتقل السرد إلى انضمامه لمجموعة جيل جيلالة بداية سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يلتحق بعدها بمجموعة ناس الغيوان عام 1977، فيمنحها بعدا كناويا روحانيا جديدا أضفى على تجربتها الغنائية عمقا إضافيا وهوية موسيقية متفردة. لقد أسهم باكا في تحويل آلة الهجهوج من أداة طقسية محاصرة داخل فضاء الزاوية، إلى صوت فني يخاطب الجماهير في المسارح والساحات عبر أرجاء العالم.
يُغني المؤلف نصه بشهادات حية جمعها من المعلمين الكناويين ورفاق باكا وعارفيه، كالمعلم عبد الله أخراز، والباحث عبد الكريم العسري، والفنان مصطفى خليلي، وسواهم ممن قاسموا الراحل محطات حياته وأسراره الفنية. وتتناثر في ثنايا الكتاب أغانٍ كاملة وقصائد رثاء وذكريات شخصية، تجعل من القراءة تجربة وجدانية قبل أن تكون اطلاعا توثيقيا.
يكشف هذا الكتاب، في جوهره، عن وعي الكاتب بخطر النسيان الذي يتهدد الذاكرة الثقافية الصويرية والمغربية على حد سواء، فقد دون ي بإلحاح من يسابق الزمن لحفظ إرث مهدد بالضياع. مؤلف “سيرة البركة لعبد الرحمان باكا” ليس سيرة فنان فحسب، بل هو وثيقة حضارية تُؤرِخ لحقبة موسيقية مغربية استثنائية، وتنصف روحا بهية أعطت فن الإنسان صوتا لا يُنسى.
كتب الباحث حسن هموش قبل مدخل الكتاب : ” أود أن أشكر بداية كل من ساعدني في إخراج هذا العمل إلى حيز الوجود، أخص بالذكر كل من السادة الكرام يونس قيروش باكا وعائلته والمعلم عبد الله أخراز، والشكر موصول كذلك الأساتذة الأفاضل: الإعلامي العربي رياض وعبد الكريم العسري والعربي قشعم و مصطفى دجان ، وصاحبة الغلاف ابنتي خولة هموش ثم أخواي عبد الله هموش ومحمد هموش وفاطمة هموش الذين تكلفوا ماديا بطبع هذا الكتاب”.
سفر عبر ٱهات و صيحات و جذبات باكا
يبوح الباحث حسن هموش في مدخل الكتاب/الذاكرة :
»كعادتي كل صباح أستسلم لهواجسي، منتشيا بفنجان قهوة سوداء بإحدى مقاهي الصويرة، كنت اليوم رفقة صديقي محمد أيت حدو، عندما رن هاتفي معلنا وصول رسالة جديدة قادمة من الصديق الحاج إبراهيم الصليحي، يسألني عن مصدراللقب – باكوأو باكا – الذي لقب به كإسم فني المرحوم عبد الرحمان قيروش، أحد عمالقة الفن الكناوي والعضو البارزفي مجموعة جيل جيلالة وبعدها ناس الغيوان. اتصلت حينها مباشرة بابنه ووارث سره يونس قيروش باكولأطرح عليه نفس السؤال فكان جوابه كالتالي:
” نعم سيدي حسن، إن زوجة والدي الإنجليزية سوزان والتي تعرف عليها ستينيات القرن الماضي بعد ارتباطه الفني مع الفرقة المسرحية العالمية (لفينك تياتر) التي زارت مدينة الصويرة مع توافد جحافيل الهبيين لمنطقة الديابات والتي تبعد عن مدينة الصويرة زهاء ثلاث كيلومترات، حينها وهي تجالسه كلما حاول ضبط إيقاعات أوتار (سنتيره) تنطق سوزان بهذه الكلمات باكا، باكا ، إشارة منها إلا النوتتين الموسيقيتين المعتمدتين لدى كناوة لضبط آلتهم، (صول و ري ري) للقيام بعملية ضبط تسوية أنغام أوثارآلة الهجهوج. منذ ذلك الوقت بدأ الكل يعرف عبد الرحمان ب (باكو أو باكا) التي يتداولها الصويريون”.
بعد هذا التوضيح واصل يونس مكالمته قائلا لي:
“بالمناسبة أستاذي العزيز سيدي حسن الجميل، لقد قرأت لك كل ما ألفته من كتيبات، وأعجبت بطريقة سردك لقصة -حديث دمعة لما بين السبت والجمعة- على الخصوص، ألا ترى صديقي العزيز أن سيرة الوالد تستحق التدوين كذاكرة صويرية مبدعة أعطت الكثير وكل ما في جعبتها فيما يخص الثقافة الكناوية ؟”
أجبته والفرحة تغمرني، أن هذا الأمر يسعدني كثيرا، أنا الذي توغلت خلال فترة مراهقتي في عالم تكناويت عندما كنا نجالس والدك بدكانة باب مراكش يدندن لنا بهجهوجه ونساعده بالتصفيق والرد، فلعب بذلك دورا كبيرا في تحبيبي آلة الكنبري وأصبحت من المولعين بها، و لقد انبهرت آنذاك بالعالم الفوضوي للهبيين القادمين من الغرب واختلطت علينا عاداتهم مع تقاليدنا. حينها تبدل شغفي بسماع أغانيهم وموسيقاهم القادمة من الغرب، شدتنا ليالي كناوة كذلك بأهازيجها، فأسدلنا ضفائرالشعر وبدلنا اللباس ورددنا أغاني (بوب مارلي) و(كات ستيفنس) و جيل جيلالة وناس الغيوان وإزنزارن وأوسمان. لا أخفيك سرا كم يسعدني صديقي يونس أن أنغمس في دروب الماضي، وبين منعرجات الصويرة موكادور كي أبحث عن ذاتي التي هي ذاتك، يؤازرني كبريائي، لأتوسم في هذه المدينة النائمة الأشياء والأمكنة الضائعة مني ومنك حتى تنطق بحالها مرغمة ! هي التي أصبغت علينا ذات زمان هالة من المتعة والانتعاش، فجيلنا جيل الستينيات الذي مزق بشوارعها الأحذية التي انتعلناها عندما ارتفعت عنها شمس الشروق، حتى مللنا الآن في هذا الزمان منظر غروبها المندر بالظلام الدامس مع كامل الأسى .لنسافر إذن صديقي يونس بقرائنا الأعزاء عبر بوابة هذا الكتيب، نمخر عباب اليم الفني الشاسع الذي صال فيه وجال والدكم المرحوم عبد الرحمان باكا مبحرا بصيحاته وآهاته ورقصاته المعبرة، في قارب النجاة، لإيصالها لكل الناس، والتي شدتنا منذ سبعينيات القرن الماضي إلى الآن.
ياحيرتي فبنادم واحد وكثرت الأديان
ياك داك إنسان وداك إنسان
ياك داك لداك مرايا « .
يختم الباحث حسن هموش مقامات كتابه التأريخي : » عبد الرحمان قيروش باكا لم يكن ظلا لأحد، عاش كما يليق به ويحلوله، لكنه عندما يتكلم عن الألم فإنه لا يشتكي لأحد بل يتنفس ليعيش، وحين يصمت فبتصرفه هذا لا يعبرعن خوف أوهزيمة بل عن كرامة وأنافة وعزة نفسه الأبية، ليبقى صمته عند العزف أبلغ من الكلام لأنه يحمل أنين وجع الروح الذي سكن وجدانه حت يوصله بأمانة وصدق إلى كل من تلقت مسامعه أنغام سنتيره الذي يغزل به حزنه وآماله التي تجذرت في ذاته، أين هو اليوم عبد الرحمان باكا الذي صنع من سنتيره صدى للوجدان؟ هو الذي أخرجه من أركان زاوية سيدنا بلال ليوصلها إلى خشبات المسارح العالمية، لا ثم لا، فالزمن لا يرجع من رحل ولا يكرر معجزة حين تكون إنسانا، لقد تنفس معه الجمهور طربا، تمايل معه رقصا حين عزف وتوجع معه صمتا حين سكت، حين ناح بالموال تسلل إلينا الدمع بدون استئذان. هكذا أصبحت طقوس كناوة لغة يفهمها الكل فأحيا بذلك قرونا من الحكمة الشعبية الصوفية. رغم رحيل عبد الرحمان باكا سيظل مجده خالدا لا ينسى، نابضا في الذاكرة، حيا في كل الليالي التي تعانق فيها الروح أنغام السنتير عشقه الأبدي الذي أخفى فيه قلبه، أرتقى به فرقاه إلى مصاف المطربين الكبار ليبقى ظاهرة لن تتكرر، قد تقام الحفلات وتعزف الألحان ، لكن هل تعود تلك الهيبة التي سكنت عبد الرحمان مع الغيوان حين صعودهم خشبة المسارح العالمية؟ فناس الغيوان بوجود باكا كانوا تجسيدا حيا لنبض الشارع ولجرح الامة، كانوا الناطق الرسمي حين عجزنا عن التعبير، وكانوا ضميرنا حين سكت الكل « .































