في مشهد يختزل الكثير من التناقضات، مرّ فاتح ماي هذه السنة بمقر الاتحاد المغربي للشغل على إيقاع لا يشبه كثيرا روح العيد الأممي للطبقة العاملة. حضور مكثف للعمال، نعم… لكن حضور بلا روح، بلا تفاعل، وبلا حتى فهم واضح لسبب التواجد.
منذ الساعات الأولى، توافد العشرات، بل المئات، إلى المقر. وجوه متعبة، نظرات تائهة، وأسئلة صامتة: “علاش حنا هنا؟”. البعض اكتفى بالجلوس، آخرون انشغلوا بهواتفهم، وكأن الحدث لا يعنيهم. لحظة إلقاء الخطاب من طرف الميلودي موخاريق، التي يفترض أن تكون ذروة اليوم، مرت ببرود لافت. لا تصفيق حار، لا تفاعل يُذكر، فقط صمت ثقيل يقطعه أحيانا همس أو تثاؤب.
الأغرب من ذلك، أن المنصات—وخاصة المنصة الشرفية—بدت خالية من رمز أساسي في مثل هذه المناسبات: صورة صاحب الجلالة نصره الله محمد السادس. غياب أثار تساؤلات وسط الحاضرين والمتابعين، خصوصا وأن مثل هذه الرمزية عادة ما تكون حاضرة بقوة في الفضاءات العمومية والنقابية. هل هو سهو؟ أم اختيار مقصود؟ سؤال ظل معلقا بدون جواب.
لكن ما لا يمكن تجاهله، هو ذلك الإحساس العام بأن الحدث فقد معناه الحقيقي. عيد الشغل، الذي يفترض أن يكون منصة للتعبير عن مطالب العمال والدفاع عن حقوقهم، تحول في نظر البعض إلى مجرد “طقس سنوي” يُعاد بنفس السيناريو: حشود تُستدعى، شعارات تُرفع، وخطابات تُلقى… دون أثر ملموس على أرض الواقع.
في الكواليس، يهمس بعض الحاضرين بأنهم جاؤوا بدعوة من مسؤولين محليين أو بدافع “الواجب”، لا الاقتناع. آخرون يرون أن النقابة، بدل أن تكون صوتا حقيقيا للطبقة العاملة، أصبحت تمارس نوعا من “التمثيل” على حساب معاناة الناس، وكأن المآسي اليومية للعمال تُستثمر لإنتاج مشهد احتفالي فارغ.
بين خطاب رسمي لا يجد صداه، وجمهور حاضر جسدا وغائب ذهنا، يطرح فاتح ماي هذه السنة سؤالا حارقا: هل ما زالت النقابة قادرة على لعب دورها الحقيقي؟ أم أن “الاحتفال” أصبح بديلا عن الفعل؟
في النهاية، يبدو أن أكبر الخاسرين في هذا المشهد هم العمال أنفسهم… أولئك الذين يفترض أن يكونوا في قلب الحدث، فإذا بهم مجرد خلفية لصورة لم تعد تقنع أحدا.




















