ياكيو وانج : زميل مشروع بنسلفانيا حول مستقبل العلاقات الأميركية الصينية في جامعة بنسلفانيا
نيكولاس بيكولين : كبير زملاء مركز بول تساي المعني بالصين في كلية الحقوق بجامعة ييل، وزميل مركز جمعية آسيا للعلاقات الأميركية الصينية
فيلادلفيا—في واشنطن، يصطدم كل اقتراح جاد ربما يقيد شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية بالاعتراض ذاته: القيود ستعرض الأمن القومي والازدهار في المستقبل للخطر لأنها تمنح الصين ميزة تنافسية. على حد تعبير سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، في جلسة استماع بمجلس الشيوخ عام 2025، فإن الولايات المتحدة في احتياج إلى “تنظيم رشيد لا يُـبطـِئُـنا”.
هذه الصياغة لا تخلو من جاذبية فطرية. لا أحد يدعو إلى فرض قواعد سيئة التصميم من شأنها أن تضعف الإبداع الأميركي دون داعٍ. بيد أن عبارة “لا يُـبطـِئُـنا” تتحول غالبا إلى مطالبة موجهة إلى المؤسسات الديمقراطية بالتنحي جانبا، بينما تقرر حفنة من الشركات الخاصة كيفية بناء ونشر وإدارة واحدة من أقوى التكنولوجيات في التاريخ.
من المؤكد أن المنافسة مع الصين تنطوي على المخاطرة بمصالح حيوية كبرى. فالعالم الذي تهيمن فيه بكين على الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر خضوعا للرقابة والمراقبة، ومعاديا بطبيعته لحقوق الإنسان والديمقراطية. لكن أميركا قادرة على تحقيق النصر بالاعتماد على نقاط قوة المجتمع المفتوح: المساءلة الديمقراطية، وسيادة القانون، والمنافسة القوية، والحوار العام الحر. هذا هو على وجه التحديد المجال الذي تستطيع فيه شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية أن تتفوق على منافسيها الصينيين ــ ليس على الرغم من الإشراف الديمقراطي، بل بفضله.
في النهاية، إذا استُـخدِم نظام ذكاء اصطناعي في مستشفى، أو مدرسة، أو مركز شرطة، أو في ساحة المعركة، فإن الناس يريدون أن يعرفوا أنه خاضع للقواعد، وأن القرارات التي تؤثر على حياتهم يمكن الطعن فيها، ويريدون توفر آليات حقيقية للتعويض عندما يحدث أي خلل. تتطلب هذه الميزات قواعد واضحة للمسؤولية، والشفافية، والإجراءات القانونية الواجبة التي تحكم القرارات المؤتمتة (الآلية) التي تنطوي على مخاطر عالية، والتنفيذ الفعّال.
برغم أن الضوابط الديمقراطية قد تؤدي في بعض الحالات إلى إبطاء عملية النشر، فإنها من الممكن أن تعمل أيضا على تسريع وتيرة تَـبَني أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال جعلها أكثر جدارة بالثقة. إن قواعد المسؤولية كفيلة بتشجيع الشركات على معالجة المخاطر المتوقعة قبل أن تُـحدِث الضرر؛ ومن الممكن أن تساعد الشفافية الباحثين على تحديد الأعطال التي تغفلها الشركات أو تفضل عدم الكشف عنها؛ وبوسع معايير الاختبار، والإبلاغ عن الحوادث، وحماية البيانات، والمراجعة البشرية أن تمنح العملاء قدرا أكبر من اليقين في حين تعمل على تقليل المخاطر التي يتعرض لها المجتمع.
لن تتفوق الولايات المتحدة على الصين في سباق إلى القاع، لأن النظام السياسي الصيني مجهز بشكل أفضل لمثل هذا السباق. فهو قادر على إجبار الشركات والهيئات العامة على تجميع البيانات عبر قطاعات التمويل، والسفر، والصحة، والشرطة، والاتصالات اليومية، ثم استخدام تلك المعلومات للسيطرة على المواطنين واستغلالهم على نطاق لا ينبغي لأي ديمقراطية أن تسعى إلى محاكاته. وهو قادر على توجيه الشركات نحو السعي إلى تحقيق الأهداف الصناعية الوطنية لأن المحاكم، والهيئات التشريعية، ومنظمات المجتمع المدني لا تقيد الحزب-الدولة. وإذا حاولت أميركا خوض غمار المنافسة من خلال توفير مظلة من السرية لشركاتها، أو زيادة قدرتها على الإفلات من العقاب، أو إكسابها سلطة إضافية على حياة المواطنين، فإنها بهذا تجعل خسارتها حتمية سلفا.
يُظهِر سجل شركات التكنولوجيا الصينية العالمي سببا إضافيا لأهمية المساءلة الديمقراطية. روجت شركة هواوي لأنظمة “المدينة الآمنة” باعتبارها أدوات لتعزيز الأمن العام، لكنها أثارت المخاوف في بعض البلدان بشأن التجسس السياسي وضَعف ضمانات حقوق الإنسان. كما واجهت مشاريع البنية الأساسية والمراقبة المدعومة من الصين مخاوف بشأن العقود غير الشفافة، والفساد، والنفوذ السياسي.
هذا الاختلاف مهم خارج حدود الولايات المتحدة. فبمقدور المتضررين من الشركات الأميركية في أي مكان في العالم لفت الانتباه إلى قضاياهم، والسعي إلى تأمين التغطية الإعلامية، وحشد منظمات المجتمع المدني الأميركية في الدفاع عنهم. على نحو مماثل، بوسع الشركات الأجنبية التماس الإنصاف القانوني من خلال المحاكم والهيئات التنظيمية وقنوات الوساطة المستقلة الأميركية. في الصين، لا توجد أي من هذه السبل المستقلة للطعن في تصرفات الشركات التي تعمل بدعم من الحزب الدولة.
ينبغي لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية أن تتعلم من تاريخ وسائط التواصل الاجتماعي الحديث. قضت المنصات الكبرى سنوات في مقاومة التنظيم، في وقت حيث كانت نماذج أعمالها تفسد الخطاب الديمقراطي، وتنشر المعلومات المضللة، وتقوض الخصوصية، وتسبب إدمان الأطفال، وتركز قدرا هائلا من السلطة. ولكن على الرغم من الإحباط العام المتزايد، تجنبت هذه الشركات الدخول في مواجهة سياسية حاسمة لأن معظم الضرر كان منتشرا وتراكميا، الأمر الذي جعل من الصعب تحديد أي سبب لتحميل شركة بعينها مسؤولية أكبر من غيرها من الشركات.
سوف يكون حيز الاختباء المتاح لشركات الذكاء الاصطناعي أقل كثيرا. فعندما يستبعد نظام الذكاء الاصطناعي شخصا من وظيفة ما، أو يحرمه من ميزة أو قرض، أو يقدم نصيحة ضارة، أو ينتج تطابقا خاطئا في التعرف على الوجه، تكون العواقب فورية وقابلة للقياس، ويُمكِن تتبعها إلى مُـنتَج بعينه وشركة بعينها. هذا الخط الواضح للمسؤولية يجعل ردة الفعل العكسية أكثر احتمالا ويجعل تجنبه أشد صعوبة. يشعر الأميركيون بالفعل بالقلق إزاء الذكاء الاصطناعي، حيث أظهر استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث أن 52% يشعرون بالقلق أكثر من شعورهم بالإثارة أو الحماس تجاه الدور المتنامي الذي تلعبه هذه التكنولوجيا في الحياة اليومية، ارتفاعا من 37% في عام 2021؛ ويشعر 9% فقط بالحماس أكثر من شعورهم بالقلق.
مع ذلك، يبدو أن شركات الذكاء الاصطناعي تسير على خطى وسائط التواصل الاجتماعي. فبدلا من أن تصبح أكثر شفافية، تسعى هذه الشركات إلى الحصول على وصول مميز إلى دائرة صغيرة من المسؤولين والتفاوض بشأن السياسات خلف أبواب مغلقة. وبدلا من الدفاع عن المنافسة المفتوحة، تتسابق هذه الشركات للسيطرة على القوة الحاسوبية، والبيانات، وقنوات التوزيع قبل أن يتمكن المنافسون من اللحاق بها، وهذا يطمس الخط الفاصل بين ميزة السبق في السوق والسلوك الاحتكاري أو شبه الاحتكاري. وبدلا من الثقة بالعمليات الديمقراطية، ينفق مديروها التنفيذيون والمستثمرين فيها الآن أموالا طائلة لإلحاق الهزيمة بالسياسيين الذين قد يفرضون عليها ضوابط تنظيمية. وعلى الرغم من إعلانها أنها تدافع عن الذكاء الاصطناعي الديمقراطي في مواجهة النموذج الاستبدادي الصيني، فإنها تبدو مستعدة على نحو متزايد للتفاوض بشكل مباشر مع القادة السياسيين بدلا من الخضوع لقواعد موضوعة من خلال مؤسسات مفتوحة.
بالسعي إلى الحصول على وصول مميز، وقمع المنافسة، وشراء النفوذ لتجنب قبول القيود الديمقراطية، تحرم هذه الصناعة نفسها من الشعبية وتجعل نفسها تابعة سياسيا في آن. هذا يعني أنها قد تفوز اليوم بتخفيف القيود التنظيمية، لتكتشف غدا أنها تخلت عن استقلاليتها لصالح أي إدارة تتحكم في الوصول إلى الطاقة، والرقائق الإلكترونية، والعقود الحكومية، وتراخيص التصدير، وإنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار. فالإدارة التي يمكنها أن تقرر أي الشركات تستحق الحصول على تلك المزايا قادرة أيضا على معاقبة تلك التي تفقد حظوتها.
إن الشركات التي تقاوم الرقابة الديمقراطية العادية تجازف باستحضار حالة من انعدام القدرة على التنبؤ: السيطرة السياسية المباشرة من جانب الحكومة القائمة. والمساءلة الديمقراطية، وسيادة القانون، والمنافسة المفتوحة ليست تكاليف يجب تجنبها باسم “الفوز”. بل هي ما سيجعل الذكاء الاصطناعي الأميركي أكثر جدارة بالثقة، وأكثر مرونة، وأقوى في نهاية المطاف من الإصدارات الصينية. يكاد الوقت المتاح لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية للاختيار بحكمة يَـنفَد.




















