متابعة
يبدو أن تصدر المغرب لمؤشر التصنيع في إفريقيا، مقابل احتلاله المرتبة السادسة قارياً في مؤشر القدرات الإنتاجية، يعكس تناقضاً في تصنيف الأداء الاقتصادي للمملكة. غير أن المؤشرين يقيسان جوانب مختلفة، وهو ما يفسر هذا التفاوت.
ويحتل المغرب المرتبة الأولى في “مؤشر التصنيع في إفريقيا 2025” الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، فيما جاء في المرتبة 101 عالمياً والسادسة إفريقياً في مؤشر القدرات الإنتاجية 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، برصيد بلغ 47.1 نقطة.
ويُركز مؤشر التصنيع على أداء القطاع الصناعي، خاصة الإنتاج الصناعي والتصنيع والصادرات وتنويع الاقتصاد، بينما يقيس مؤشر القدرات الإنتاجية مجموعة أوسع من العناصر التي تحدد قدرة الاقتصاد على الإنتاج والنمو، من بينها رأس المال البشري والطاقة والنقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمؤسسات والقطاع الخاص ورأس المال الطبيعي والتحول الهيكلي.
وبحسب بيانات الأونكتاد، سجل المغرب 50.7 نقطة في الطاقة، و46.5 في رأس المال البشري، و57.4 في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، و49.4 في المؤسسات، و40.1 في رأس المال الطبيعي، و47.4 في القطاع الخاص، و57.8 في التحول الهيكلي، فيما لم يتجاوز رصيده في النقل 32.8 نقطة، وهو أدنى مستوى بين مكونات المؤشر.
وتُظهر هذه الأرقام أن قوة المغرب الصناعية لا تنعكس بالضرورة على جميع مكونات قدراته الإنتاجية، إذ تظل قطاعات النقل ورأس المال البشري والقطاع الخاص والمؤسسات من أبرز الجوانب التي تؤثر على النتيجة الإجمالية.
وفي مؤشر التصنيع في إفريقيا، حصل المغرب على 0.8415 نقطة، متقدماً بفارق طفيف على جنوب إفريقيا التي سجلت 0.8396 نقطة، تليها مصر بـ0.7827 نقطة وتونس بـ0.7760 نقطة. وأكد البنك الإفريقي للتنمية أن المغرب انتقل إلى صدارة المؤشر بعد أن ظلت جنوب إفريقيا متربعة على المركز الأول منذ سنة 2010.
ويعكس الفرق بين المؤشرين طبيعة كل تصنيف؛ فالأول يقيس مستوى التصنيع والأداء الصناعي، بينما يعتمد الثاني على تقييم أكثر شمولاً لمجموعة من القدرات التي يحتاجها الاقتصاد للحفاظ على نموه وتوسيع قاعدة إنتاجه.
ويبرز النقل كأحد أكبر التحديات في حالة المغرب، حيث بلغ رصيده 32.8 نقطة، وهو ما يمكن أن يؤثر على تكاليف اللوجستيك وقدرة الشركات على المنافسة، رغم التطور الذي حققه المغرب في قطاعات صناعية وتصديرية عدة.
كما يطرح مستوى رأس المال البشري، الذي بلغ 46.5 نقطة، تحديات مرتبطة بالتكوين والمهارات والبحث والتطوير ومدى ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل. وفي المقابل، سجل التحول الهيكلي 57.8 نقطة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات 57.4 نقطة، باعتبارهما من نقاط القوة النسبية في المؤشر.
وتشير هذه النتائج إلى أن التحدي بالنسبة للمغرب لم يعد مرتبطاً فقط بتطوير قاعدة صناعية قوية، وإنما بمدى قدرته على تعميم هذا التطور على باقي مكونات الاقتصاد، خصوصاً البنيات التحتية والنقل والموارد البشرية وتمويل القطاع الخاص وجودة المؤسسات والطاقة.
وبالنسبة للمستثمرين، يقدم تصدر المغرب لمؤشر التصنيع مؤشراً على قوة قاعدته الصناعية وتنوعها، بينما يسلط مؤشر القدرات الإنتاجية الضوء على المجالات التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من التطوير لتعزيز تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.
وبذلك، لا يعكس تصدر المغرب للتصنيع في إفريقيا واحتلاله المرتبة السادسة في القدرات الإنتاجية تناقضاً في حد ذاته، بقدر ما يكشف عن مستويين مختلفين من تقييم الاقتصاد: نجاح واضح في بناء قاعدة صناعية، مقابل تحديات قائمة في تطوير منظومة إنتاجية متكاملة.



















