متابعة
يعيد تعميم التأمين الصحي تشكيل ملامح اقتصاد الصحة، في ظل إنفاق الأسر المغربية نحو 45 مليار درهم سنويا على العلاج، وفق معطيات مجلس المنافسة. ومع اتساع نطاق التغطية الصحية، تتزايد التحديات المرتبطة بتنظيم العرض الصحي، وتعزيز المنافسة بين الفاعلين، وتمويل التجهيزات الطبية، وضمان نجاعة النفقات. وكانت هذه القضايا محور المؤتمر الدولي الخامس لمجلس المنافسة، المنعقد بمدينة مراكش في 14 أكتوبر الجاري، بمشاركة مهنيين وخبراء في القطاع.
ويطرح تعميم التأمين الصحي ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الصحية العمومية والخاصة، بما يسمح باستغلال أفضل للكفاءات والتجهيزات الطبية. وفي هذا السياق، يظل القطاع محكوما بنوع من التجزئة، إذ تواجه إمكانية تقاسم الموارد والتجهيزات بين القطاعين قيودا تنظيمية وتعاقدية، كما تتباين وجهات النظر بشأن توسيع نطاق الخدمات التي يمكن أن يقدمها الصيادلة، خاصة الفحوصات البسيطة والكشف عن بعض الأمراض.
وتبرز هذه الإشكالات بشكل أكبر مع ارتفاع أهمية مؤسسات التأمين والتغطية الصحية في تمويل العلاج، ما يفرض تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، تفاديا لارتفاع النفقات دون تحسن مماثل في جودة الخدمات. كما يشكل غياب ملف طبي موحد ومشترك أحد العوائق التي قد تدفع المرضى إلى إعادة فحوصات سبق إجراؤها، وهو ما يزيد من كلفة العلاج. ويؤكد المدافعون عن إصلاح المنظومة ضرورة تمكين المريض من الاستفادة من معطياته الطبية عند الانتقال بين المؤسسات الصحية.
وعلى مستوى الاستثمار، يطرح ضعف تقاسم التجهيزات الطبية تحديات تتعلق بمردودية المعدات المكلفة، مثل أجهزة التصوير الطبي وقاعات العمليات، التي تتطلب حجما كافيا من النشاط لتغطية تكاليفها. كما يثير توسع المجموعات الصحية الخاصة نقاشا بشأن تحقيق التوازن بين تعزيز القدرة الاستثمارية وتحسين العرض الطبي، من جهة، والحفاظ على المنافسة ومنع استغلال الوضع المهيمن، من جهة أخرى.
ويمتد النقاش إلى الصيدليات، حيث يدعو مجلس المنافسة إلى فتح رأسمالها أمام مستثمرين من خارج المهنة، بهدف تسهيل التمويل ومواكبة احتياجات الصيادلة الشباب، وهو مقترح يعارضه ممثلو الهيئة المهنية للصيادلة. ومن بين البدائل المطروحة تشجيع تجميع الصيدليات في إطار شركات أو مجموعات ذات مصلحة اقتصادية، بما يسمح بتقاسم الاستثمارات مع الحفاظ على الضوابط المهنية المنظمة للقطاع.
وفي المقابل، تبرز الرقمنة كأحد الحلول الممكنة لتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج، خصوصا بالمناطق القروية والنائية التي تعاني من محدودية الوصول إلى الأطباء المتخصصين. وفي هذا الإطار، تتيح وحدات طبية متنقلة ومتصلة بشبكات الخبرة الطبية إمكانية ربط الأطباء العامين والممرضين بنحو 60 طبيبا متخصصا عن بعد، ضمن برنامج يعلن عن تقديم أكثر من مليوني خدمة علاجية. كما ساهم تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي، بحسب القائمين على البرنامج، في رصد مؤشرات لاحتمال عودة أمراض مثل الحصبة والدفتيريا في بعض المناطق القروية.
ورغم تنامي استخدام الاستشارات الطبية عن بعد، لا يزال الحفاظ على استمراريتها يمثل تحديا أمام الفاعلين في القطاع. وأكدت زينب الإدريسي الكايتوني، مؤسسة منصة «دابادوك»، أن عدد الاستشارات عن بعد عرف تراجعا بعد الجائحة، بعدما سجلت المنصة عشرات الآلاف من هذه الاستشارات خلال فترة كوفيد-19، مقابل بضعة آلاف حاليا، مشددة على ضرورة تحويل هذا الاستخدام الاستثنائي إلى ممارسة مستدامة ضمن منظومة الرعاية الصحية.



















