لم تعد السياسة، في مشهد لافت، حبيسة القبة التي تحتضن النقاشات البرلمانية، ولا مجرد مادة إخبارية تمر عابرة في نشرات الأخبار. ففي بعض تفاصيل الحياة اليومية، بدأت ملامح حضور مختلف للنقاش السياسي تفرض نفسها، من أحاديث الأحياء الشعبية إلى شاشات الهواتف داخل وسائل النقل العمومي، حيث صار ما يجري تحت قبة البرلمان موضوعا للتفرج والتعليق وتبادل الآراء.
مساء الخميس، وأنا أعود إلى الحي الذي أسكنه، استوقفني مشهد مواطنين يتابعون ما راج في جلسة مجلس النواب، ويتبادلون النقاش حول السجال الذي جمع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بمكونات المعارضة. لم يكن الأمر مجرد متابعة صامتة لمقاطع عابرة، بل بدا أن ما جرى داخل المؤسسة التشريعية وجد طريقه إلى أحاديث خارج أسوارها، حيث لكل متابع قراءته، ولكل نقاش امتداد يتجاوز الشاشة التي نقلته.
وفي صباح يوم الجمعة، تكرر المشهد بصورة أخرى. داخل الطرامواي، وبين ركاب يشقون طريقهم نحو مقرات العمل، كانت شاشات الهواتف تعرض مقتطفات من المداخلات البرلمانية. مشهد عادي في ظاهره، لكنه يفتح بابا للتأمل: ماذا يعني أن تصبح جلسة برلمانية مادة يتابعها المواطن في تنقله اليومي، وأن تنتقل أصداء المواجهة السياسية من قاعة البرلمان إلى فضاءات لا تخطر عادة على بال المتابع وهو يفكر في علاقة المغاربة بالسياسة؟
قد تكون هذه المشاهد مجرد حالات عابرة، ولا يمكن اعتبارها وحدها دليلا على تحول عام في سلوك المغاربة السياسي، لكنها تطرح سؤالا يستحق التوقف عنده: هل بدأ المواطن المغربي يستعيد اهتمامه بالشأن السياسي، أم أن السياسة لم تعد تجذب انتباهه إلا عندما تتحول إلى مواجهة كلامية تستأثر بالمشاهدات والتعليقات؟
لعل ما يلفت الانتباه ليس فقط وصول المداخلات البرلمانية إلى هواتف المواطنين، فذلك أصبح أمرا مألوفا في زمن المنصات الرقمية، بل طبيعة المحتوى الذي ينجح في استقطابهم. فالمواجهة السياسية، بما تتضمنه من ردود متبادلة ونبرات حادة ولحظات توتر، تملك قدرة على جذب الانتباه أكبر مما تملكه في كثير من الأحيان النقاشات الهادئة حول البرامج والسياسات العمومية. وفي زمن تختصر فيه المنصات ساعات من النقاش في مقطع لا يتجاوز دقائق، قد يجد السجال طريقه إلى الجمهور أسرع من الأفكار التي يفترض أن تكون جوهره.
لكن اختزال هذا الاهتمام في البحث عن الفرجة وحدها قد يكون حكما متسرعا. فالمواطن الذي يتابع مواجهة بين الحكومة والمعارضة قد لا يكون مدفوعا فقط برغبته في مشاهدة سجال مثير، بل قد يبحث أيضا عن مؤشرات تساعده على فهم موازين القوى، وقياس قدرة المسؤولين على الدفاع عن اختياراتهم، واستكشاف ما إذا كانت المعارضة قادرة على تحويل انتقاداتها إلى بدائل مقنعة. وقد تكون المشاهدة، في بعض الحالات، مدخلا أوليا إلى نقاش أوسع بشأن قضايا تمس الحياة اليومية، من الأسعار وفرص الشغل إلى الصحة والتعليم والسكن.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست شأنا منفصلا عن تفاصيل العيش، حتى عندما تبدو بعيدة عن انشغالات المواطن المباشرة. فالقرارات التي تناقش داخل المؤسسات الدستورية تنعكس، بدرجات متفاوتة، على حياة الأسر، وعلى فرص الشباب، وعلى قدرة المواطنين على مواجهة تكاليف المعيشة. ومن ثم، فإن اهتمام المواطن بما يجري داخل البرلمان قد يكون تعبيرا عن رغبة في فهم من يقرر، وكيف تُتخذ القرارات، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
ومع ذلك، فإن الطريق من متابعة المداخلات إلى استعادة الثقة في العمل السياسي ليس قصيرا. فالتفاعل مع سجال برلماني لا يعني بالضرورة الاقتناع بالأداء الحكومي، كما أن انتشار مقطع لمتحدث سياسي لا يدل تلقائيا على أن مضمونه أقنع المتابعين. وقد يكون المواطن حاضرا بقوة في لحظة المواجهة، لكنه يغيب عندما يتعلق الأمر بتتبع مآلات الوعود، ومناقشة تفاصيل البرامج، ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية.
هنا تحديدا يكمن السؤال الأهم: هل ستظل هذه العودة المحتملة إلى المشهد السياسي مرتبطة بلحظات الاستقطاب والمواجهة، أم يمكن أن تتحول إلى اهتمام مستمر يجعل المواطن يتابع ما بعد التصريحات، ويسائل المسؤولين عن الحصيلة، ويقارن بين الوعود والنتائج؟
إن الرهان لا يتعلق فقط بقدرة السياسيين على استقطاب المشاهدات، بل أيضا بقدرتهم على إقناع المواطنين بأن النقاش السياسي يستحق المتابعة حتى عندما يخلو من الإثارة. فالمعارضة لا تُقاس فقط بحدة انتقاداتها، والحكومة لا تُقيّم فقط بقدرة رئيسها وأعضائها على الرد، وإنما بما يقدمونه من حجج وبدائل، وبمدى انعكاس اختياراتهم على حياة المواطنين.
وفي المقابل، تفرض هذه المشاهد على الإعلام السياسي مسؤولية تتجاوز نقل لحظات المواجهة الأكثر إثارة. فحين تتحول المداخلات البرلمانية إلى مقاطع قصيرة تتداولها المنصات، يصبح ضروريا ألا ينتهي النقاش عند جملة حادة أو رد لافت، بل أن يمتد إلى شرح خلفيات الخلاف، وتوضيح رهاناته، وربطه بالملفات التي تعني المواطن بصورة مباشرة.
من الحي إلى الطرامواي، لا تكفي مشاهد قليلة للحديث عن عودة مؤكدة للمغاربة إلى السياسة، لكنها تكفي لطرح سؤال لا ينبغي الاستهانة به. فقد يكون ما نراه مجرد انجذاب عابر إلى سجال ساخن، وقد يكون أيضا مؤشرا على أن النقاش السياسي ما زال قادرا على اختراق تفاصيل الحياة اليومية، متى وجد ما يستحق المتابعة.
والفارق بين الاحتمالين لن تحسمه المشاهدات ولا التعليقات وحدها، بل ما إذا كان المواطن سيواصل متابعة ما يحدث بعد انفضاض الجلسة، حين تنطفئ أضواء المواجهة وتبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي: مرحلة القرارات والالتزامات والنتائج.
فقد يلفت السجال انتباه المواطن إلى السياسة، لكن ما يصنع اهتمامه المستمر بها هو ما يلمسه من أثرها في حياته.



















