كانت أحداث سبتة تراهن على أن تتحول من أزمة هجرة إلى أزمة سياسية بين المغرب وإسبانيا، غير أن التطورات التي أعقبتها جاءت بعكس الاتجاه الذي كانت تتطلع إليه الدوائر الجزائرية، بعدما خرجت مدريد بموقف رسمي ينفي وجود أدلة على تورط الرباط في تدفق المهاجرين نحو المدينة.
الموقف الإسباني لم يترك مساحة كبيرة للرواية التي حاولت تحميل المغرب مسؤولية ما حدث، إذ أكد وزير العدل الإسباني فيليكس بولانيوس، أمام لجنة الأمن القومي، عدم توفر أي دليل يثبت أن السلطات المغربية قامت بتسهيل أو توجيه عبور آلاف المهاجرين نحو سبتة.
وبهذا المعنى، لم تمنح الأزمة الجزائر الورقة التي كانت تبحث عنها لإعادة فتح ملف العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصا أن أي اتهام رسمي للرباط كان من شأنه أن يضع حكومة بيدرو سانشيز تحت ضغط سياسي كبير، ويعيد ملف الهجرة إلى الواجهة باعتباره نقطة خلاف بين البلدين.
لكن ما حدث كان مختلفا. فمدريد اختارت الفصل بين تداعيات أزمة الهجرة وبين علاقاتها الاستراتيجية مع الرباط، ولم تسمح للجدل الداخلي بأن يتحول إلى اتهام رسمي للمغرب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر عند وضعها في سياق التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ إعلان مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي سنة 2022، أصبحت الجزائر تنظر إلى أي احتكاك بين الرباط وإسبانيا باعتباره فرصة محتملة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ولهذا السبب، شكلت أحداث سبتة مادة قابلة للاستثمار السياسي والإعلامي بالنسبة إلى الجزائر، خاصة في ظل ضخامة موجة الهجرة التي شهدتها المدينة، وما رافقها من ارتباك وضغط على السلطات الإسبانية.
غير أن الرهان اصطدم هذه المرة بالموقف الرسمي لمدريد، الذي لم يربط الأحداث بأي قرار مغربي، ولم يحول الأزمة إلى مواجهة سياسية مع الرباط.
والأهم أن التطورات اللاحقة أكدت استمرار الحاجة الإسبانية إلى التعاون مع المغرب في ملف الهجرة، وهو الملف الذي يشكل إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
فالمغرب بالنسبة إلى مدريد ليس مجرد جار جنوبي يمكن تحميله مسؤولية الأزمات الحدودية، وإنما شريك أساسي في مواجهة شبكات تهريب البشر وضبط تدفقات الهجرة غير النظامية وتأمين الحدود.
ومن هنا، فإن محاولة استغلال أزمة سبتة لإحداث تصدع في العلاقات الثنائية اصطدمت بحقيقة المصالح التي أصبحت تربط البلدين. وهذه المصالح لا تتوقف عند الهجرة، بل تمتد إلى الأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والنقل وغيرها من الملفات الاستراتيجية.
وبذلك، تحولت أحداث سبتة من فرصة كان يمكن توظيفها ضد المغرب إلى اختبار جديد لقوة العلاقات المغربية الإسبانية. فبدلا من صدور اتهام رسمي للرباط، جاءت شهادة حكومية إسبانية تنفي وجود دليل على تورطها.
وهنا تحديدا تتضح حدود الرهان الجزائري: فالمطلوب لم يكن مجرد حدوث أزمة في سبتة، وإنما أن تتمكن الأزمة من نقل التوتر إلى مستوى سياسي بين الرباط ومدريد. وهذا لم يحدث.
لقد عادت القضية إلى إطارها الأساسي باعتبارها أزمة هجرة استثنائية واجهت السلطات الإسبانية تداعياتها، بينما بقيت العلاقة مع المغرب خارج دائرة الاتهام الرسمي.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن النتيجة تعني أن ورقة سبتة لم تحقق الغاية المنتظرة منها. أما بالنسبة إلى المغرب، فقد خرج من الأزمة دون أن يتحول إلى طرف متهم في الرواية الرسمية الإسبانية، وهو ما يجعل محاولة استثمار الأحداث ضده تنتهي بنتيجة مغايرة تماما لما كان يراد لها.





















