في المرحلة الحساسة التي يُقبل عليها المغرب، لا يمكن التعامل مع تشكيل الحكومة باعتباره مجرد توزيع للحقائب بين الأحزاب. فالانتظارات الاجتماعية كبيرة، والالتزامات الاقتصادية ثقيلة، والأوراش الاستراتيجية تحتاج إلى استمرارية القرار والتنفيذ. ومع ظهور خطاب يتطلع إلى إسقاط الحكومة قبل أن تبدأ عملها، تصبح لحظة بناء الأغلبية امتحاناً مبكراً لقدرتها على الصمود.
أمام فاطمة الزهراء المنصوري، إذن، مهمتان متلازمتان: تشكيل حكومة تستطيع العمل، وبناء أغلبية تتحمل معها كلفة هذا العمل. فالحصول على الثقة يفتح باب ممارسة المسؤولية، لكنه لا يضمن وحده استمرارها. وما يبدو اتفاقاً مريحاً يوم التنصيب قد يتحول إلى مصدر هشاشة عند أول خلاف حول قرار اجتماعي أو اختيار اقتصادي أو توزيع للصلاحيات.
هنا تبرز معادلة 319 مقعداً. فإذا أرادت المنصوري أن تجعل المعارضة عاجزة، بمفردها، عن جمع التوقيعات اللازمة لتقديم ملتمس الرقابة، فإنها تحتاج إلى أغلبية من 317 نائباً على الأقل. ومن الصيغ الممكنة تحالف يجمع سبعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17. مجموعها 319 مقعداً، مقابل 76 نائباً خارج الأغلبية.
لفهم أهمية هذا العدد، ينبغي العودة إلى الفصل 105 من الدستور. فتقديم ملتمس الرقابة يحتاج إلى توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائباً من أصل 395. أما الموافقة عليه فتتطلب 198 صوتاً، وتؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية، على أن التصويت لا يجري إلا بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس. **تقديم الملتمس، إذن، شيء؛ وإسقاط الحكومة بواسطته شيء آخر.
بأغلبية من 319 نائباً، ستحتاج المعارضة إلى ثلاثة توقيعات من داخل الأغلبية حتى تتمكن من تقديم الملتمس. هذه حماية عددية مهمة، لكنها لا تلغي الآلية الدستورية، ولا تمنع نواب التحالف من استخدامها. لذلك تظل قوة الاتفاق السياسي حاسمة: لا قيمة لأغلبية واسعة إذا كانت خلافاتها الداخلية تمنح خصومها ما ينقصهم من توقيعات وأصوات.
غير أن هذه الحماية لها كلفة تفاوضية. جمع سبعة أحزاب حول طاولة واحدة يعني التوفيق بين سبع قيادات، ومطالب متعددة في الحقائب والمسؤوليات والأولويات. وقد يصبح إرضاء الجميع أصعب من الحصول على الثقة نفسها. فالوزارة التي يعتبرها حزب استحقاقاً انتخابياً قد يراها آخر شرطاً للمشاركة، والقطاع الذي تريد رئيسة الحكومة إسناده وفق الكفاءة قد يتحول إلى موضوع مساومة بين الشركاء.
والخطر أن تُبنى حكومة واسعة العدد، محدودة الانسجام؛ تتكاثر داخلها مراكز القرار، وتضعف القدرة على الحسم. لهذا ينبغي أن يسبق الاتفاق على البرنامج توزيع الحقائب، وأن يعرف كل شريك ما الذي يلتزم بتنفيذه، وكيف تُدار الخلافات، وأين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي.
ولنفترض أن المنصوري اختارت تشكيل الحكومة من دون الأحرار. ستنخفض أغلبية الأحزاب الستة الأخرى من 319 إلى 253 مقعداً، وهو عدد يتجاوز عتبة التنصيب بـ55 مقعداً. وفي المقابل، يصبح خارج الحكومة 142 نائباً؛ عدد يسمح بتقديم ملتمس الرقابة، لكنه لا يكفي وحده لتمريره ما دامت الأغلبية متماسكة.
وإذا افترضنا أيضاً أن الأحرار لن ينسق مع العدالة والتنمية لتقديم الملتمس، فإن النواب الآخرين خارج الحكومة لن يتجاوزوا 76. لكن هذا الافتراض لا يصلح ضمانة دائمة. فعدم التحالف بين حزبين لا يمنع التقائهما على تصويت ضد الحكومة، كما أن الموقف عند تشكيلها قد يتغير خلال الولاية.
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أثر هذا السيناريو: حتى لو صوّت جميع النواب الـ142 الموجودين خارج حكومة من 253 مقعداً لإسقاطها، فسيحتاجون إلى انضمام 56 نائباً من أغلبيتها للوصول إلى 198. وعليه، فإن الخطر الحاسم على حكومة بهذه القوة العددية سيكون تصدع تحالفها من الداخل، أكثر من مجرد اتفاق خصومها خارجها.
وليست مشاركة أحزاب عديدة في الحكومة سابقة مجهولة في المغرب. فقد جمعت حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998 سبعة أحزاب، وضمت 41 عضواً حكومياً. لكن استحضارها لا يعني استنساخ حجمها أو ظروفها؛ بل يذكّر بأن التعدد ممكن حين يستند إلى اتفاق سياسي قادر على إدارة الاختلاف.
ومع اقتراب أول عيد الوحدة، الذي يصادف 31 أكتوبر، ربما تكون البلاد أمام حاجة إلى وحدة سبعة أحزاب حول مسؤولية حكومية مشتركة. وحدة تستلهم معنى الالتزام بمصلحة البلاد، مع بقاء المعارضة صاحبة حق كامل في الرقابة والمساءلة واستخدام أدوات الدستور
حتى لا تسقط الحكومة، تحتاج المنصوري إلى أكثر من جمع المقاعد. تحتاج إلى شركاء يدافعون عن القرارات التي شاركوا في اتخاذها، ويتحملون نتائجها، ويجدون في استمرار التحالف مصلحة سياسية واضحة. فقد يحمي العدد الحكومة من ملتمس يأتي من الخارج، لكن الاتفاق الجاد وحده يحميها من الانهيار من الداخل.




















