في خضم النقاش السياسي الذي تعيشه بلادنا هذه الأيام، وانشغال المشهد الوطني بمشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية بعد تعيين رئيسة الحكومة الجديدة، مر رقم مهم أمام الرأي العام والصحافة وكأنه خبر عابر، رغم أنه يستحق أن يتوقف عنده الجميع. إنه الرقم الذي حملته أحدث معطيات البنك الدولي حول نجاعة الحكومة بالمغرب، والذي يقول ببساطة إن المؤشر ارتفع من 51.72 نقطة سنة 2020 إلى 55.96 نقطة سنة 2025.
قد يبدو الأمر مجرد رقم آخر في جدول دولي، لكنه في الحقيقة أكثر دلالة مما يوحي به ظاهره. فمؤشر “نجاعة الحكومة” لا يقيس الانطباعات السياسية حول حكومة بعينها، وإنما يرصد مجموعة من الأبعاد المرتبطة بجودة الخدمات العمومية، وأداء الإدارة، وصياغة السياسات وتنفيذها، ومصداقية الالتزامات والقرارات الحكومية. والبنك الدولي يعتمد في مؤشرات الحكامة العالمية على مصادر متعددة تشمل استطلاعات الأسر والمقاولات وتقييمات الخبراء ومصادر مؤسساتية ودولية.
والأهم أن الرقم لا يأتي معزولا عن السياق السياسي والحكومي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالفترة الممتدة من 2020 إلى 2025 تتقاطع في معظمها مع الولاية الحكومية التي قادها عزيز أخنوش منذ سنة 2021، بما يجعل ارتفاع المؤشر معطى جديرا بالحضور في أي قراءة موضوعية لحصيلة هذه التجربة الحكومية.
الأرقام تصبح أكثر دلالة حين نضعها في سياق زمني أوسع. فقد انتقل المؤشر من 48.54 نقطة سنة 2015 إلى 51.72 نقطة سنة 2020، أي بزيادة بلغت 3.18 نقاط. وخلال السنوات الخمس الموالية، ارتفع المؤشر بـ4.24 نقاط، ليبلغ 55.96 نقطة سنة 2025. أي أن وتيرة التحسن خلال الفترة الثانية كانت أكبر من تلك المسجلة خلال الفترة السابقة.
وهنا بالضبط تكمن أهمية المعطى الذي لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج السياسة اليومية. فالحكومات لا تقاس فقط بما تقوله في الندوات والبرامج الانتخابية، ولا بما تقوله المعارضة عنها، وإنما أيضا بما تتركه السياسات العمومية من أثر في المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات الدولية.
حكومة أخنوش اشتغلت، منذ تنصيبها، في سياق لم يكن سهلا. فقد وجدت نفسها أمام ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، واشتغلت على تنزيل إصلاحات واسعة، من بينها ورش الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، وإرساء الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم، فضلا عن إجراءات مرتبطة بالاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ودعم التشغيل.
قد يختلف السياسيون حول ترتيب الأولويات، وقد تختلف الأحزاب حول طريقة تدبير بعض الملفات، وقد تكون هناك انتقادات مشروعة لأي حكومة في نظام ديمقراطي، لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يحجب المعطيات التي تقدمها المؤسسات الدولية. والرقم الصادر عن البنك الدولي هنا يستحق أن يدخل إلى صلب النقاش حول حصيلة حكومة أخنوش، لا أن يبقى في هامشه.
والأمر لا يتعلق بشهادة سياسية صادرة عن جهة مؤيدة للحكومة، ولا بتقييم حزبي يمكن وضعه في خانة الموالاة أو المعارضة. نحن أمام مؤشر دولي قابل للمقارنة، صادر عن مؤسسة مالية دولية، ويقيس أحد الأبعاد الأساسية للحكامة. صحيح أن البنك الدولي نفسه يؤكد أن مؤشرات الحكامة العالمية هي تقديرات مبنية على بيانات وتصورات متعددة، وليست تدقيقا نهائيا أو حكما منفردا على أداء حكومة بعينها، لكن هذا لا يلغي قيمتها كأداة لقراءة الاتجاه العام.
بل إن هذه الملاحظة تجعل القراءة أكثر إنصافا، لا أقل. فليس من الدقة القول إن البنك الدولي “منح حكومة أخنوش شهادة نجاح مطلقة”، كما ليس من الموضوعية تجاهل أن مؤشرا دوليا مرتبطا بنجاعة الحكومة سجل تحسنا ملموسا خلال فترة تزامنت في معظمها مع هذه الحكومة.
والسياسة في نهاية المطاف ليست فقط معارك انتخابية ومشاورات لتشكيل الأغلبية، بل هي أيضا حصيلة تتراكم داخل الإدارة وفي الخدمات العمومية وفي قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العمومية. ومن هذه الزاوية، فإن انتقال المغرب من 51.72 إلى 55.96 نقطة ليس تفصيلا تقنيا، وإنما معطى ينبغي أن يقرأ ضمن المسار العام لتطور أداء المؤسسات.
ولعل المفارقة أن هذا الرقم وصل في اللحظة التي انشغل فيها الجميع بما بعد الانتخابات، وبشكل الحكومة المقبلة، وبالمشاورات السياسية وترتيبات الأغلبية. وفي خضم هذا النقاش، يكاد يضيع أحد الأرقام التي تتحدث عن المرحلة التي انتهت فعليا، وعن حكومة أخنوش التي أصبحت حصيلتها اليوم موضوعا للنقاش السياسي والإعلامي.
المطلوب إذن ليس تحويل مؤشر البنك الدولي إلى أداة للدعاية، وإنما وضعه في المكان الذي يستحقه داخل تقييم التجربة الحكومية. فالأرقام الدولية لا تعفي من النقد، لكنها أيضا لا تسمح بتجاهل ما تحمله من مؤشرات إيجابية. والحصيلة العادلة هي التي تجمع بين الأمرين: مساءلة ما لم يتحقق، والاعتراف بما تحقق.
وفي زمن أصبحت فيه المواقف السياسية أسرع من قراءة الأرقام، تذكرنا معطيات البنك الدولي بأن الحكامة تقاس أيضا بالنتائج. وأن النقاش حول حكومة أخنوش لا ينبغي أن يبقى أسيرا للانطباعات السياسية، لأن هناك مؤشرات دولية تقول إن نجاعة الحكومة المغربية سجلت تحسنا خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تتجه الأنظار اليوم إلى الحكومة المقبلة وتركيبتها وبرنامجها، يبقى من الإنصاف أن تسجل لحكومة أخنوش نقطة مضيئة في سجلها: المؤشر الدولي لنجاعة الحكومة تحسن بوتيرة أكبر خلال الفترة التي تزامنت في معظمها مع ولايتها.
وفي السياسة، قد تختلف القراءات، لكن الأرقام تظل أقدر على مقاومة النسيان.




















