ليست قيمة البرامج الانتخابية في حجم الوعود التي تتضمنها، ولا في قدرتها على استقطاب الناخبين خلال الحملات الانتخابية، بل في مدى تحولها، بعد الوصول إلى تدبير الشأن العام، إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وموارد مالية مرصودة، وأهداف يمكن قياس نتائجها. ومن هذه الزاوية تحديدا، يكتسب مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهميته السياسية، باعتباره أول اختبار عملي لقدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من مرحلة الالتزام الانتخابي إلى مرحلة ترتيب الأولويات وتحديد كلفة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.
فقانون المالية ليس وثيقة تقنية محصورة في تقدير المداخيل والنفقات، وإنما هو التعبير المالي عن التوجهات الحكومية، والمرآة التي تكشف ترتيب الأولويات في ضوء الموارد المتاحة والإكراهات الاقتصادية. وما لا يجد طريقه إلى الميزانية يظل، في كثير من الأحيان، وعدا مؤجلا، مهما كانت جاذبية صياغته أو مركزيته في الخطاب الانتخابي. لذلك، فإن النقاش حول مالية 2027 يتجاوز مسألة احترام موعد إيداع المشروع لدى البرلمان، ليمتد إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ستتمكن الحكومة الجديدة من منح برنامجها مضمونا ماليا واضحا، أم ستجد نفسها مضطرة إلى تدبير استمرارية اختيارات سابقة قبل أن تتمكن من بلورة بصمتها الخاصة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل اقتراب الأجل القانوني لإيداع المشروع، المحدد في العشرين من أكتوبر، في وقت لم يكن فيه تشكيل الحكومة الجديدة قد اكتمل، وفق المعطيات التي انطلق منها النقاش. فهذا التزامن يضع الزمن السياسي أمام الزمن المالي، ويجعل من الضروري التمييز بين استمرارية الدولة، التي تفرضها طبيعة الالتزامات العمومية، وبين قدرة الحكومة الجديدة على إعادة ترتيب الأولويات بما ينسجم مع برنامجها وتطلعات المواطنين. ذلك أن انتظام المساطر المؤسساتية يظل ضرورة، لكنه لا يعفي من مساءلة مضمون الاختيارات التي ستؤطر الإنفاق العمومي خلال السنة المقبلة.
ومن الناحية العملية، لا يعني انطلاق إعداد مشروع قانون المالية قبل تشكيل الحكومة الجديدة أن هذه الأخيرة ستكون محرومة من إمكانية التأثير في مضمونه. فالمشروع يخضع لمسار مؤسساتي وقانوني محدد، وتظل مساحة المراجعة مرتبطة بمراحله والإجراءات المؤطرة له. لكن ضيق الوقت، إن استمر، قد يجعل التوفيق بين الالتزامات القائمة والأولويات المستجدة أكثر تعقيدا، ويطرح تحديا يتعلق بمدى قدرة الأغلبية على الانتقال بسرعة من التفاهم حول توزيع المسؤوليات إلى الاتفاق حول السياسات التي تستحق أن تحظى بالأولوية في الميزانية.
وهنا يبرز جوهر الاختبار السياسي. فالتوافق على الحقائب الوزارية يحدد من سيتولى المسؤولية، لكنه لا يحسم بالضرورة في طبيعة القرارات التي ستتخذها الحكومة. أما قانون المالية، فيضع مكونات الأغلبية أمام أسئلة أكثر دقة: ما القطاعات التي ستستفيد من الأولوية في توزيع الموارد؟ وكيف ستوازن الحكومة بين الاستثمار العمومي والحاجات الاجتماعية؟ وما المساحة التي ستخصصها لتشجيع التشغيل وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتوسيع الحماية الاجتماعية؟ ثم كيف ستوفق بين هذه المطالب والحفاظ على توازنات المالية العمومية واستدامة تمويل السياسات الحكومية؟
هذه الأسئلة هي التي ستمنح مشروع قانون المالية دلالته السياسية الحقيقية. فالأولوية لا تقاس بما يحتله قطاع معين في الخطاب الرسمي، وإنما بما يخصص له من موارد، وبما يرتبط بها من أهداف وآجال للتنفيذ. كما أن زيادة الاعتمادات المالية، في حد ذاتها، لا تكفي للحكم على نجاعة الاختيارات، ما لم تقترن بتحديد النتائج المنتظرة وآليات تتبعها وتقييم أثرها على حياة المواطنين. فالرهان لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل أيضا بكيفية توجيهه، وبمدى قدرته على الاستجابة للحاجات الفعلية وتحويل الموارد العمومية إلى خدمات وفرص ومكاسب اجتماعية ملموسة.
ومن هذا المنطلق، فإن جدية البرنامج الحكومي ستظهر في قدرته على ترتيب الأولويات بدل الاكتفاء بتجميع التعهدات. فالموارد المالية ليست بلا حدود، وكل اختيار لفائدة مجال معين يقتضي تحديد موقع المجالات الأخرى ضمن سلم الأولويات. وهنا تنتقل المسؤولية الحكومية من مستوى إعلان الأهداف إلى مستوى المفاضلة بين الحاجات، وتقدير الكلفة، وتحديد الآجال، وتحمل المسؤولية السياسية عن النتائج. وهي مرحلة لا يكفي فيها الانسجام في الخطاب، بل يتعين أن ينعكس التوافق داخل الأغلبية في اختيارات ميزانياتية واضحة ومتماسكة.
كما أن البعد الاجتماعي لقانون المالية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاعتمادات الموجهة إلى القطاعات الاجتماعية، بل بقدرة هذه الاعتمادات على إحداث أثر فعلي. فالمواطن لا يقيم السياسات العمومية من خلال الأرقام الواردة في الوثائق الرسمية وحدها، وإنما من خلال ما يلمسه في جودة المدرسة، وإمكانية الولوج إلى العلاج، وفرص الشغل، والقدرة على مواجهة تكاليف المعيشة، وتقليص الفوارق المجالية. ومن ثم، فإن التحدي أمام الحكومة لا يتمثل في إعلان استمرار الأوراش الاجتماعية فحسب، بل في إظهار كيف ستسهم الاختيارات المالية في تحسين نتائجها، وما المؤشرات التي ستتيح قياس التقدم المحرز فيها.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تكون العلاقة بين التعهدات والاعتمادات واضحة وقابلة للتتبع. فكل برنامج حكومي جاد يحتاج إلى تحديد ما يمكن إنجازه خلال السنة الأولى، وما يتطلب برمجة متعددة السنوات، وما تفرضه الإكراهات المالية من ترتيب مرحلي للأهداف. ومن شأن هذا الوضوح أن يجعل النقاش البرلماني أكثر ارتباطا بجوهر السياسات العمومية، وأن يمنح الرأي العام أساسا موضوعيا لمتابعة مدى الوفاء بالالتزامات. أما ترك الوعود من دون ترجمة مالية محددة، أو من دون آجال ومؤشرات للإنجاز، فيوسع المسافة بين الخطاب السياسي والممارسة الحكومية، ويصعب معه التمييز بين ما هو التزام فعلي وما هو هدف عام مؤجل.
وبذلك، لا ينبغي اختزال التحدي المرتبط بمالية 2027 في سباق مع موعد الإيداع، ولا في مجرد استكمال المساطر القانونية والمؤسساتية. فاحترام الآجال يضمن انتظام العمل المؤسساتي، لكنه لا يحسم وحده في جودة الاختيارات المالية أو مدى استجابتها للأولويات المعلنة. والاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة الجديدة على التوفيق بين استمرارية التزامات الدولة وحقها في بلورة توجهاتها، وبين ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية وانتظارات المواطنين، وبين إعلان الإصلاحات وتحديد الوسائل اللازمة لتنفيذها.




















