يعكس تموقع حزب الاستقلال في التشكيلة الحكومية الجديدة، من خلال سبعة وزراء ووزراء منتدبين يشرفون على 12 قطاعا وزاريا، إلى جانب رئاسة مجلس المستشارين، حجم حضوره داخل المؤسسات، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام مسؤولية سياسية وتنموية تتجاوز تدبير الحقائب إلى الإسهام الفعلي في تنزيل الأوراش الكبرى للمملكة وتحقيق نتائج ملموسة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
وتكتسي القطاعات التي أسندت إلى الحزب أهمية استراتيجية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقضايا السيادة الوطنية والتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة. فملفات الماء والتجهيز والصناعة والاستثمار والنقل واللوجيستيك والسياحة والتجارة الخارجية لا تمثل مجرد مجالات للتدبير القطاعي، بل تشكل حلقات مترابطة في بناء اقتصاد أكثر تنافسية، قادر على مواجهة التحديات المائية، وتطوير البنيات التحتية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتعزيز جاذبية المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
وتزداد أهمية هذه المسؤوليات مع اقتراب الاستحقاقات التنموية الكبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، الذي يفتح أمام المملكة آفاقا واسعة لتحديث البنيات التحتية والخدمات، وتوسيع فرص الاستثمار، وإحداث مناصب الشغل، وترسيخ صورة المغرب كوجهة اقتصادية وسياحية قادرة على استقطاب المشاريع الكبرى. غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطا بمدى قدرة هذه الأوراش على تجاوز متطلبات الاستعداد للتظاهرة العالمية، وتحويل الاستثمارات المصاحبة لها إلى مكاسب مستدامة تنعكس على الاقتصاد الوطني وحياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يتيح الإشراف على قطاعات الاستثمار والصناعة والتجارة الخارجية مواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، ومواكبة المقاولات، وتوسيع حضور المنتوج المغربي في الأسواق الدولية. وهي مسؤوليات تفرض تحقيق التكامل بين السياسات الصناعية والتجارية والاستثمارية، بما يرفع القيمة المضافة للإنتاج الوطني، ويعزز تنافسية المقاولات المغربية، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على خلق الثروة واستدامة النمو.
ولا ينفصل هذا الرهان عن البعد الاجتماعي، إذ تشكل قطاعات التكوين المهني والتشغيل والمقاولة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني مدخلا أساسيا لتأهيل الرأسمال البشري، وتطوير الكفاءات، وتوسيع فرص الشغل، خصوصا في صفوف الشباب. كما تتيح هذه المجالات إمكانات مهمة لدعم المبادرة المقاولاتية، وتثمين المؤهلات الاقتصادية المحلية، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، بما يجعل الاستثمار في الإنسان مكملا ضروريا للاستثمار في البنيات التحتية والإنتاج.
أما تجديد الثقة في عدد من أعضاء الفريق الحكومي الاستقلالي، فيحمل دلالة مرتبطة باستمرارية السياسات والبرامج التي أطلقت خلال المرحلة السابقة، والاستفادة من التجربة المتراكمة في تدبير القطاعات المعنية. فالحفاظ على المسؤولين الذين راكموا خبرة في الأوراش المفتوحة يمكن أن يساهم في تسريع التنفيذ وتفادي انقطاع المسارات الإصلاحية، شريطة أن تقترن الاستمرارية بتقييم النتائج ومعالجة الاختلالات وتحسين جودة الأداء.
ويعكس هذا الاختيار، وفق قراءة سياسية للتموقع الجديد، توجها نحو الجمع بين التجربة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، مع مراعاة الامتداد الانتخابي والتنظيمي للحزب. فالمسؤولية الحكومية تظل، في نهاية المطاف، التزاما تجاه المواطنين، ولا تكتسب قيمتها من حجم التمثيل داخل الجهاز التنفيذي بقدر ما تكتسبها من أثر السياسات العمومية في الاقتصاد والمجتمع.
وفي هذا الإطار، يبرز حضور مديحة خيير، التي ستتولى تدبير قطاع التكوين المهني، إلى جانب اختيارها لرئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب. ويجمع هذا الموقع بين المسؤولية الحكومية والعمل البرلماني، كما يطرح أهمية مواصلة تعزيز حضور المرأة في مواقع القرار، في امتداد لتجربة لطيفة بناني سميرس، أول امرأة استقلالية ترأست الفريق النيابي للحزب.
ومنذ انطلاق مشاورات تشكيل الفريق الحكومي، برزت متطلبات المرحلة وحجم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها محددا أساسيا في تقييم توزيع المسؤوليات. فالسياق الراهن يفرض الارتقاء بأداء العمل الحكومي، وتسريع وتيرة الإنجاز، وربط البرامج المعلنة بنتائج قابلة للقياس، بما يستجيب لانتظارات المواطنات والمواطنين وينسجم مع التوجيهات الملكية السامية.
ويقوم جوهر هذا التموقع على معادلة تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية والإنتاج، والاستثمار في الإنسان، بما يسمح بتوسيع قاعدة خلق الثروة وتحسين توزيع ثمارها. ومن ثم، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية يقتضي ألا تظل ثمار التنمية محصورة في المجالات الأكثر استفادة من الاستثمارات، بل أن تمتد إلى مختلف الجهات والفئات، عبر فرص الشغل والخدمات والبنيات الأساسية.
وعليه، فإن وزن حزب الاستقلال داخل الحكومة لا يقاس بعدد الحقائب أو القطاعات التي يشرف عليها فحسب، بل بقدرته على تحويل هذا الحضور إلى حصيلة ملموسة في ملفات الماء والبنيات التحتية والاستثمار والتشغيل والتكوين. فالتحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة المسؤولية السياسية إلى أثر تنموي واضح، يعزز السيادة الوطنية والتنافسية الاقتصادية، ويجعل النمو أكثر توازنا وإنصافا، ويقرب السياسات العمومية من انتظارات المواطنين.




















