انتقد ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، ما اعتبره تناقضا بين خطاب القطيعة الذي تتبناه الحكومة الحالية واستمرارها في تنزيل عدد من الإصلاحات التي أطلقتها الحكومة السابقة، معتبرا أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لم يوضح بما يكفي القيمة المضافة التي تعتزم الحكومة تقديمها للاقتصاد الوطني والأوضاع الاجتماعية للمواطنين.
وقال عكاشة، متحدثا باسم فريق التجمع الوطني للأحرار خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إن المشروع يأتي في سياق دولي وإقليمي دقيق، تطبعه التحولات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية وتزايد الانتظارات الاجتماعية، وهو ما يستدعي، بحسبه، تجاوز المقاربات التقليدية وتقديم حلول عملية قادرة على تحويل الاعتمادات المالية إلى نتائج ملموسة.
وسجل رئيس الفريق أن الحكومة ترفع شعار بناء نموذج جديد للدولة الاجتماعية، في الوقت الذي يواصل فيه مشروع قانون المالية تمويل أوراش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح الضريبة على الدخل وتحسين الأجور وإصلاح الصحة والتعليم، وهي إصلاحات ساهمت الحكومة السابقة في تنزيل مراحل أساسية منها. واعتبر أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تنكر للتراكم المؤسساتي، مؤكدا أن الاستمرارية في الإصلاح ليست عيبا، لكن تقديم الالتزامات القائمة باعتبارها إنجازات جديدة يقتضي توضيح ما ستضيفه الحكومة فعليا.
وانتقد عكاشة توظيف مفاهيم من قبيل «الليبرالية الجديدة» و«الرأسمالية المتوحشة» في النقاش حول الدولة الاجتماعية، معتبرا أن بناء هذه الدولة لا يقوم على وضع الاستثمار والمقاولة في مواجهة العدالة الاجتماعية، بل على التكامل بين خلق الثروة وتوزيعها بشكل منصف، وتأطير السوق وضمان المنافسة العادلة وربط النمو الاقتصادي بتحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي ما يتعلق بالغلاف الاجتماعي الذي قدمته الحكومة، والمحدد في 62 مليار درهم، تساءل عكاشة عن مدى تعبير هذا الرقم عن مجهود اجتماعي جديد، موضحا أنه يجمع 25 مليار درهم للتنمية الترابية، و5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب اعتمادات موجهة إلى المعاشات والدعم الاجتماعي والتشغيل والصحة والتعليم.
واعتبر أن التخفيض الضريبي لا يعادل دعما اجتماعيا مباشرا، وأن الاستثمار الترابي لا يعني بالضرورة تحسينا فوريا لدخل الأسر، مطالبا الحكومة بتحديد حجم الاعتمادات الإضافية مقارنة بسنة 2026، والتمييز بين الإصلاحات الجديدة والبرامج المستمرة، وبين الالتزامات التي ستنفذ خلال سنة 2027 وتلك الممتدة إلى نهاية الولاية الحكومية.
كما أثار رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على الجمع بين توسيع الإنفاق الاجتماعي وتخفيف الضرائب، من جهة، وحصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام وخفض مديونية الخزينة إلى 66.9 في المائة، من جهة أخرى، داعيا إلى توضيح مصادر التمويل والهوامش المالية التي ستسمح بتنفيذ هذه الالتزامات دون المساس باستدامة الحقوق الاجتماعية أو ترحيل كلفتها إلى السنوات المقبلة.
وفي ما يخص القدرة الشرائية، سجل عكاشة أن عددا من الوعود الاجتماعية يجري تأجيل بلوغ أهدافها إلى سنة 2031، موضحا أن إصلاح الضريبة على الدخل لن يبلغ أهدافه المعلنة إلا في ذلك التاريخ، فيما لن يتجاوز الحد الأدنى للمعاشات 1700 درهم سنة 2027، رغم الوعد برفعه إلى 3000 درهم، بينما لن تتعدى الزيادة الأولى في الدعم الاجتماعي المباشر 100 درهم شهريا، رغم تقديم وعود برفعه إلى 1000 درهم.
وتساءل عكاشة عما إذا كانت هذه التدابير تمثل استعادة فعلية للقدرة الشرائية، أم إعادة جدولة للوعود الاجتماعية على مدى خمس سنوات، في وقت تظل فيه الأسر مطالبة بمواجهة تكاليف المعيشة الحالية.
وبخصوص ملف التقاعد، أكد أن فريقه يعتبر الزيادة المعلنة في المعاشات خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه سجل غياب تشاور واضح مع المركزيات النقابية والمنظمات المهنية للمشغلين، إلى جانب ضرورة توضيح شروط الاستفادة من الحد الأدنى للمعاشات ونطاق تطبيقه على أنظمة التقاعد المختلفة، ومدى استفادة الفئات التي لا تتوفر على حماية تقاعدية كافية.
وطالب عكاشة بتقديم تصور متكامل لإصلاح أنظمة التقاعد، يحدد كلفته ومصادر تمويله وكيفية توزيع الأعباء بين الدولة وصناديق التقاعد والمقاولات والأجراء، محذرا من تحميل كلفة الإصلاح للأجراء والمقاولات والأجيال المقبلة دون وضوح بشأن الالتزامات المالية المترتبة عنه.
وفي ملف التشغيل، انتقد رئيس الفريق تخصيص ستة مليارات درهم لبرامج التكوين والمواكبة والإدماج، متسائلا عما إذا كانت الحكومة قد استخلصت الدروس من تجارب سابقة لم تحقق، بحسبه، النتائج المنتظرة في خلق فرص الشغل. وشدد على أن التكوين لا يعني بالضرورة توفير منصب شغل، وأن المواكبة لا تعوض الأجر، داعيا إلى الانتقال من الوعود والبرامج إلى توفير فرص عمل حقيقية تضمن للشباب الدخل والاستقرار والكرامة.
كما أثار عكاشة مسألة تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة خلال سنة 2027، مشيرا إلى أن قانون المالية لسنة 2026 سبق أن رخص بالتزامات مسبقة تصل إلى 15 مليار درهم على حساب اعتمادات سنة 2027 لفائدة صندوق التنمية الترابية المندمجة. وطالب الحكومة بتوضيح العلاقة بين هذه الالتزامات والغلاف المالي المعلن، والتمييز بين الموارد الجديدة والاعتمادات التي سبق الترخيص بها، بما يسمح بتحديد القيمة المضافة الفعلية للإنفاق المبرمج.
وعلى المستوى السياسي، جدد عكاشة تأكيده أن فريق التجمع الوطني للأحرار يرفض اختزال تقييم السياسات العمومية في الشعارات الإيديولوجية، معتبرا أن مصداقية التغيير لا تقاس بإعلان القطيعة مع الماضي، وإنما بوضوح البدائل والاختيارات والنتائج المحققة. وأكد أن موقع المعارضة لا يعني رفض الإصلاحات الوطنية، كما أن تحمل الحزب مسؤوليات حكومية سابقة لا يلزمه بمساندة اختيارات الحكومة الحالية.
وفي المقابل، نوه رئيس الفريق بالمسار الإصلاحي الذي عرفه المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، وبمكتسبات تعميم الحماية الاجتماعية، كما جدد الاعتزاز بالجهود الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، مشيدا بأدوار القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والترابية في حماية الوطن والمواطنين وصون الأمن والاستقرار.
وختم عكاشة بالتأكيد أن موقف فريق التجمع الوطني للأحرار من التصويت على مشروع قانون المالية لسنة 2027 لم يُحسم بعد، موضحا أن القرار سيُتخذ على ضوء مآل المناقشة التشريعية، ومدى تفاعل الحكومة مع ملاحظات الفريق وتعديلاته، ومضمون الصيغة النهائية للمشروع. وأكد أن الفريق سيواصل ممارسة دوره في النقد والتعديل والمساءلة، انطلاقا من المصلحة الوطنية ونجاعة الاختيارات وصدقية الالتزامات.



















