بدأت الوقائع منذ الشكاية التي وضعها الزميل أبو سالم الكارح، على خلفية ما اعتبره تعرضا للتشهير والمس بالحياة الخاصة عبر “بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة”، وهي الأفعال التي يتابع على أساسها المحامي فاروق المهدوي أمام القضاء.
القضية سرعان ما تحولت إلى ملف يثير الكثير من النقاش، ليس فقط بسبب طبيعة التهم، بل أيضا بسبب شخصية المشتكى به، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضورا إعلاميا لافتا عبر عدد كبير من الخرجات والتعليقات المرتبطة بملفات وقضايا مختلفة، قبل أن يجد نفسه اليوم في موقع مساءلة قضائية مرتبطة بجانب أخلاقي وقانوني يتعلق بحدود النشر والتشهير والحياة الخاصة.
واضع الشكاية، الزميل أبو سالم الكارح، لم يكن بدوره بعيدا عن الاستهداف خلال السنوات الماضية، حيث تعرض مرارا لحملات تضييق وهجمات رقمية من طرف أصوات ومنابر تقدم نفسها باعتبارها مدافعة عن الفساد وحقوق الإنسان والنضال، بينما يرى متابعون أن بعض ممارساتها سقطت في كثير من الأحيان في منطق التشهير والتخوين والاستهداف الشخصي.
لكن أكثر ما شد الانتباه داخل هذه المحاكمة، لم يكن فقط مضمون الملف، بل أيضا الأسلوب الذي اختارته هيئة الدفاع. فمنذ انطلاق الجلسات، بدا واضحا أن الاستراتيجية المعتمدة تقوم أساسا على طلبات التأجيل المتكررة، إلى أن وصلت الأمور خلال جلسة اليوم إلى نقطة حاسمة.
المحكمة اعتبرت أن المهلة السابقة، والتي امتدت لشهر كامل، كانت كافية للاطلاع على الملف وإعداد وسائل الدفاع، وأعلنت أن القضية أصبحت جاهزة للمناقشة، رافضة أي طلب جديد للتأجيل.
هذا القرار فجّر توترا داخل الجلسة، بعدما أعلنت هيئة الدفاع انسحابها احتجاجا على رفض التأخير. وهي الهيئة التي تضم أكثر من ستين محاميا، إضافة إلى عدد آخر من المحامين الذين حضروا للنيابة عن زملاء متغيبين، ما جعل العدد الإجمالي يتجاوز المائة محام في مشهد أثار الكثير من علامات الاستفهام.
وهنا يبرز سؤال مهني وقانوني مشروع: ما فلسفة هذا الحضور العددي الضخم في منطق الدفاع؟ هل تتحقق قوة الترافع بعدد المحامين أم بقوة الدفوع والحجج القانونية؟ وهل تتحول كثرة المؤازرين أحيانا إلى شكل من أشكال الضغط الرمزي داخل قاعة المحكمة والرأي العام؟
في الأعراف القضائية، لا تُقاس قوة الدفاع بعدد الوجوه الجالسة داخل القاعة، بل بمدى القدرة على تفكيك عناصر المتابعة وبناء دفوع مقنعة قانونيا. لذلك رأى عدد من المتتبعين أن المحكمة، برفضها نهج التأجيل المتكرر، حاولت التأكيد على مبدأ أساسي: ضمان حق الدفاع، دون السماح بتحويل الزمن القضائي إلى أداة لتعطيل المحاكمة.
وفي ظل هذا التوتر، راجت معطيات تفيد بإمكانية لجوء المتهم إلى التزام الصمت أو التمسك بموقف هيئة دفاعه المنسحبة، خاصة مع الحديث عن احتمال صدور الحكم في وقت لاحق من اليوم.
كما عرفت الجلسة حضورا أمنيا مكثفا، إلى جانب حضور ممثلين عن النقابة الوطنية للصحافة المغربية واتحاد الصحافيين المغاربة بصفة ملاحظين، في مؤشر على الحساسية الكبيرة التي بات يكتسيها هذا الملف، سواء من زاويته القانونية أو من حيث امتداداته السياسية والإعلامية.
وفي مقابل هذا الحضور العددي اللافت داخل صف الدفاع، اختار المشتكي أبو سالم الكارح الحضور بشكل فردي، مترافعا عن نفسه دون استعراض أو تعبئة، في صورة اعتبرها البعض رسالة ثقة مباشرة في القضاء ومؤسسات العدالة.





















