بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على موجات الاقتحام الجماعي التي استهدفت محيط مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، خفتت بشكل ملحوظ دعوات التحريض على الهجرة غير النظامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تشديد المراقبة الأمنية بالمناطق الشمالية للمملكة.
غير أن تداعيات تلك الأحداث لا تزال حاضرة، خصوصا في صفوف عناصر القوات العمومية الذين وجدوا أنفسهم في الصفوف الأمامية خلال عمليات التصدي لمحاولات العبور الجماعي.
ففي الوقت الذي انصب فيه جزء كبير من النقاش الإعلامي على أعداد المهاجرين ومحاولات الوصول إلى الثغرين المحتلين، ظلت حصيلة الإصابات المسجلة في صفوف القوات الأمنية المغربية أقل حضورا، رغم أن التدخلات الميدانية خلفت عشرات المصابين وأضرارا مادية طالت عددا من الآليات الأمنية.
وبحسب معطيات مرتبطة بالمواكبة الصحية التي وفرتها المديرية العامة للأمن الوطني، فقد بلغ عدد موظفي الأمن الذين أصيبوا خلال العمليات النظامية الرامية إلى احتواء محاولات الاقتحام 107 موظفين، موزعين بين مناطق أمنية مختلفة.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن 89 من المصابين ينتمون إلى ولاية أمن تطوان، فيما يتبع 17 موظفا للأمن الجهوي بالناظور، بينما يتبع موظف واحد لولاية أمن طنجة.
وتراوحت الإصابات بين كسور على مستوى الأطراف والرأس، وكدمات ورضوض وجروح متفاوتة الخطورة، فيما احتاج عدد من العناصر إلى عناية طبية بحسب طبيعة الإصابات التي تعرضوا لها أثناء التدخلات.
ولم تتوقف مواكبة المديرية العامة للأمن الوطني عند التكفل الطبي بالمصابين، إذ شملت أيضا دعما ومواكبة نفسية لفائدة عدد من العناصر التي شاركت في التدخلات الميدانية.
وتكتسي هذه المواكبة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المواجهات التي عرفتها تلك العمليات، وما رافقها من ضغط جسدي ونفسي على العناصر الموجودة في الخطوط الأمامية، حيث تم رصد حالات مرتبطة بالاضطراب الناجم عن مرحلة ما بعد الصدمة، وفق المعطيات المتوفرة.
وخلال الأيام الأولى للأحداث، استقبلت مؤسسات استشفائية في شمال المملكة عددا من أفراد القوات الأمنية المصابين، حيث شوهدت سيارات إسعاف تنقل عناصر أمنية نحو مستشفى القرب الحسن الثاني بالفنيدق، ومستشفى محمد الخامس بالمضيق، ومستشفى محمد الخامس بطنجة، فضلا عن المستشفى الجهوي بالناظور.
وتكشف هذه المعطيات أن التعامل مع موجات الاقتحام لم يكن عملية أمنية محدودة، وإنما تطلب تعبئة ميدانية واسعة، خلفت إصابات في صفوف القوات التي كانت مكلفة بمنع محاولات التسلل الجماعي نحو سبتة ومليلية.
كما امتدت الخسائر إلى المعدات والآليات الأمنية، إذ أفادت المعطيات المتوفرة بتعرض 26 مركبة أمنية للتخريب أو الإحراق خلال اليومين الأولين من عمليات الاقتحام، من بينها 18 مركبة في أحداث الفنيدق و8 مركبات في الناظور.
وتضع هذه الأرقام علامات استفهام أمام بعض الروايات التي حاولت تقديم الأحداث من زاوية واحدة، خصوصا تلك التي اتهمت السلطات المغربية بالتقاعس أو الوقوف موقف المتفرج أمام موجات المهاجرين غير النظاميين.
فالإصابات المسجلة في صفوف 107 من موظفي الأمن، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمركبات، تعكس طبيعة التدخلات التي جرت ميدانيا وحجم الاحتكاك الذي عرفته القوات العمومية أثناء محاولتها منع الاقتحامات.
وكانت بعض الأصوات الإعلامية والسياسية قد ذهبت إلى توجيه اتهامات للمغرب بشأن طريقة تعامله مع محاولات العبور، في وقت لم تحظ فيه إصابات العناصر الأمنية المغربية والخسائر التي تكبدتها الآليات بالاهتمام نفسه في جزء من التغطية الإعلامية الإسبانية.
ويطرح هذا المعطى بدوره سؤالا حول مدى توازن الروايات المتداولة بشأن أحداث نهاية يوليوز ومنتصف غشت، خصوصا أن الصورة الكاملة لا تقتصر على أعداد الأشخاص الذين حاولوا العبور، بل تشمل أيضا طبيعة التدخلات الأمنية والموارد البشرية والمادية التي سخرت لمنع تلك المحاولات.
أما الجانب الأكثر إثارة للتساؤل، فيتعلق بما إذا كانت التحذيرات المسبقة بشأن تنظيم محاولات جماعية لاقتحام الحدود قد قوبلت بالاستعداد الكافي من طرف السلطات الإسبانية.
ففي الوقت الذي تكشف فيه المعطيات المغربية عن تسجيل إصابات في صفوف عناصر الأمن، وتوفير علاج ومواكبة نفسية للمصابين، لم يبرز في المعطيات المتداولة بشأن الأحداث نفسها تسجيل إصابات مماثلة ومعلنة في صفوف قوات الأمن الإسبانية.
وإذا تأكد غياب إصابات في صفوف القوات الإسبانية خلال هذه العمليات، فإن هذا التباين يفتح نقاشا مغايرا بشأن المسؤولية عن طريقة تدبير هذه الأحداث، ويعيد طرح الأسئلة حول مدى جاهزية الجانب الإسباني للتعامل مع التحذيرات التي سبقت محاولات الاقتحام الجماعي، ومدى أخذه تلك المؤشرات بالجدية المطلوبة.
وبذلك، فإن الرواية التي تضع المسؤولية بشكل حصري على الجانب المغربي وتختزل الأحداث في اتهامات بالتراخي أو التقاعس، تبدو بحاجة إلى قراءة أوسع تستحضر ما تكبدته القوات المغربية من إصابات وخسائر مادية، فضلا عن حجم التعبئة التي رافقت عمليات التصدي لمحاولات العبور.
وفي انتظار معطيات أكثر تفصيلا حول طبيعة الاستعدادات التي سبقت تلك الأحداث على جانبي الحدود، تظل المواكبة الطبية والنفسية التي وفرتها المديرية العامة للأمن الوطني للعناصر المصابة مؤشرا واضحا على أن موجات الاقتحام خلفت تداعيات مباشرة داخل صفوف القوات التي كانت في الواجهة، وهي زاوية ظلت أقل حضورا في النقاش الإعلامي المصاحب لهذه الأحداث.




















