لم تعد قضية مكوار مجرد خلاف حول تركة عائلية، بعدما أصبحت عمليات تفويت عقارات مملوكة لشركتي «ICOMA» و«IMPROTEX» محور نزاع قضائي طويل، تتداخل فيه أسئلة التسيير والملكية والتقييم المالي ومآل الأموال. وبين معاملات تعود إلى بداية الألفية وخبرات قضائية وشكايات متعاقبة، لا يزال رشيد مكوار يطالب بالكشف عن حقيقة ما جرى داخل الشركتين، وتحديد الحقوق التي يقول إنها تعود إلى والده الراحل. وبعد ما يقارب ثمانية عشر عاماً من التقاضي، بات استكمال التحقيق والوصول إلى حسم قضائي من أبرز المطالب المطروحة في الملف.
ويبرز أحد الجوانب الأساسية في القضية من خلال العلاقة التي نشأت بين الشركتين الصناعيتين وشركة «L’Olivine Immobilier»، التي تأسست في يوليوز 2003 برأسمال أولي قدره 100 ألف درهم. ووفق الوثائق التي يستند إليها المشتكي، كان M. C. M. يتولى تسيير الشركة العقارية، بعدما أصبح رئيساً لمجلس إدارة «ICOMA» سنة 2001، وتولى المنصب نفسه في «IMPROTEX» خلال السنة ذاتها. ويعتبر مكوار أن اجتماع هذه المسؤوليات لدى الشخص نفسه يثير تساؤلات بشأن ظروف انتقال العقارات من الشركات البائعة إلى الشركة المستفيدة منها، وهي نقطة تظل موضوع نزاع وتقدير قضائي، في انتظار ما ستسفر عنه إجراءات التحقيق.
وتشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن عمليات التفويت المنجزة بين سنتي 2003 و2005 شملت عشرة أصول عقارية تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 115 ألفاً و478 متراً مربعاً. ومن بين هذه الممتلكات عقار «ICOMA» الذي تتجاوز مساحته 63 ألف متر مربع، وجرى تحديد ثمنه في العقود بـ120 درهماً للمتر المربع، إلى جانب عقارات أخرى من بينها «ICOMA 4» و«Zouina». كما تتضمن بعض العقود إشارة إلى أداء الثمن خارج حضور الموثقة، وهي صيغة لا تثبت وحدها عدم حصول الأداء، لكنها أصبحت من بين العناصر التي يستند إليها المشتكي في التشكيك في سلامة العمليات، بالنظر إلى ما يقول إنه غياب آثار محاسبية كافية تثبت تسوية المبالغ. ويطالب مكوار بأن يجري التدقيق في هذه المعاملات على ضوء العقود والرسوم العقارية والوثائق المحاسبية ذات الصلة.
ومن بين النقاط التي تمنح الملف بعداً مالياً خاصاً، ظهور اعترافات بديون لفائدة الشركتين الصناعيتين على الشركة العقارية، بلغت في مجموعها حوالي 19.7 مليون درهم إلى غاية 31 دجنبر 2009. واستُخدمت هذه المستحقات لاحقاً في عملية مقاصة وزيادة رأسمال «L’Olivine Immobilier»، لتصبح «ICOMA» و«IMPROTEX» من كبار المساهمين فيها. وبينما يمكن النظر إلى العملية باعتبارها تسوية مالية للعلاقات بين الشركات، يعتبر رشيد مكوار أن توقيتها يثير تساؤلات، خصوصاً أن عدداً من عمليات التفويت العقاري سبق أن أُنجز قبل ذلك بسنوات. ويظل التحقق من طبيعة هذه العمليات وآثارها المالية من المسائل التي يطالب المشتكي بتوضيحها ضمن المسار القضائي.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات عند مقارنة أثمان بعض التفويتات الأولى بقيم إعادة البيع اللاحقة. فالعقار المعروف باسم «Beaucomtoise»، الذي تفيد الوثائق بأنه بيع مقابل 977 ألفاً و670 درهماً، أعيد بيعه سنة 2019 بمبلغ 55.826 مليون درهم. كما بيع عقار «Zouina» سنة 2017 مقابل 10.622 ملايين درهم. غير أن هذه الفوارق، مهما بلغت، لا تشكل بمفردها دليلاً على وجود مخالفة، بالنظر إلى إمكانية تغير القيمة العقارية مع مرور الزمن. ويبقى التحدي المطروح هو تحديد القيمة السوقية للعقارات وقت تفويتها، ومدى تناسب الأثمان المعتمدة آنذاك مع ظروف السوق، فضلاً عن التحقق من أداء المقابل المالي ومآل المبالغ الناتجة عن المعاملات.
أما على المستوى القضائي، فقد انتقل الملف إلى مرحلة جديدة مع إنجاز خبرة قضائية ثلاثية سنة 2023، كان من بين أهدافها تقييم أرباح «ICOMA» و«IMPROTEX» خلال الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى دجنبر 2007، وتحديد الحصة التي تعود إلى H. M.، والد رشيد مكوار، الذي توفي في فاتح دجنبر 2007. لكن نتائج الخبرة لم تنه الخلاف، إذ تقدم مكوار في مارس 2024 باعتراضات على خلاصاتها، معتبراً أنها لم تبحث بما يكفي في مآل الأصول العقارية، وأنها اعتمدت على وثائق يرى أنها غير مكتملة أو تعود إلى فترات لاحقة للفترة موضوع الدراسة. وفي 11 أبريل من السنة نفسها، تقدم بشكاية جديدة في مواجهة الخبراء الثلاثة، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها، وفق المعطيات المتاحة، حسم قضائي نهائي.
وتشير الوثائق كذلك إلى أن النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أمرت، في 29 يناير 2026، بتنفيذ إجراء إغلاق الحدود في حق M. C. M. كما تفيد معطيات الملف بغيابه عن الجلسات الست الأخيرة أمام قاضي التحقيق، وهو تطور يثير تساؤلات بشأن إمكانية استكمال إجراءات البحث بعد سنوات من التقاضي. ويظل إغلاق الحدود تدبيراً مسطرياً لا يعادل الإدانة ولا يثبت المسؤولية الجنائية، مثلما أن الغياب لا يشكل في حد ذاته دليلاً على ارتكاب مخالفة. غير أن استمرار تعثر الجلسات يجعل مسألة ضمان المثول واستكمال التحقيق مطروحة، مع ترك تقدير المبررات والإجراءات المناسبة للجهات القضائية المختصة.
وبين مطالب رشيد مكوار بإعادة بناء حركة الأصول وتحديد الأرباح والحقوق الاقتصادية لوالده، وما ستخلص إليه الخبرات والتحقيقات، يبقى جوهر الملف مرتبطاً بإجابات لم تُحسم بعد: كيف جرى تدبير عمليات التفويت؟ وهل عكست الأثمان المعتمدة القيمة الفعلية للعقارات وقت البيع؟ وما مدى ثبوت أداء المقابل المالي؟ ثم ما الحصة التي يستحقها الراحل H. M. وورثته، إن ثبتت المطالب المرتبطة بها؟ وإلى متى سيظل التحقيق ينتظر استكمال إجراءاته في ظل المعطيات المتعلقة بالتغيب عن الجلسات؟
أسئلة تجعل قضية مكوار اختباراً معقداً لآليات التدقيق في المعاملات بين الشركات، ولقدرة المسار القضائي على تفكيك عمليات مالية وعقارية تعود إلى أكثر من عقدين، والوصول إلى حسم نهائي في نزاع طال أمده. فبعد ثمانية عشر عاماً، لم يعد مطلب المشتكي مقتصراً على مناقشة الوثائق والخبرات، بل يشمل أيضاً استكمال إجراءات التحقيق والإجابة عن الأسئلة العالقة، دون أحكام مسبقة أو تجاوز لاختصاص القضاء.



















