شهدت الدار البيضاء، صباح يومه الاثنين، انطلاق فعاليات معرض “GITEX Future Health Africa”، في تظاهرة قارية كبرى تجمع أبرز الفاعلين في مجالات الصحة والتكنولوجيا والاستثمار، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبحضور وازن لشخصيات حكومية ومؤسساتية وخبراء دوليين.
وتميّز حفل الافتتاح بمشاركة أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب نبيلة الرميلي، عمدة المدينة، فضلاً عن مسؤولين عن مؤسسات صحية ومالية دولية، في مؤشر على الأهمية المتزايدة التي يكتسيها قطاع الصحة كرافعة استراتيجية للتنمية.
وفي كلمته الافتتاحية ضمن القمة التنفيذية المصاحبة للمعرض، شدد الوزير على أن هذا الحدث «لا يشكل مجرد معرض، بل هو إعلان طموح حقيقي وفعل سيادي»، في إشارة إلى التحول العميق الذي يشهده التفكير في السياسات الصحية، حيث لم تعد الصحة تُختزل في بعدها الاجتماعي، بل أصبحت ركيزة للسيادة الوطنية والقوة الاقتصادية.
وأوضح المسؤول الحكومي أن القارة الإفريقية مدعوة اليوم إلى القطع مع نموذج التبعية الصحية، الذي ظل قائماً لعقود، والقائم أساساً على استيراد الأدوية والتكنولوجيا والحلول العلاجية، مؤكداً أن «بلداً لا ينتج أدويته ولا معداته الطبية يظل بلداً هشاً»، في ربط مباشر بين السيادة الصحية والسيادة الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي هذا السياق، يراهن المغرب على تموقع استراتيجي داخل هذه التحولات، مدعوماً بإصلاحات عميقة يعرفها قطاع الصحة، من بينها تعميم التغطية الصحية، وتسريع وتيرة بناء البنيات الاستشفائية، وتوسيع الولوج إلى الخدمات الطبية عبر مختلف جهات المملكة. وهي مؤشرات، بحسب المتدخلين، لا تعكس فقط أرقاماً، بل تعبر عن إرادة سياسية واضحة لإعادة هيكلة المنظومة الصحية.
وبموازاة ذلك، يبرز التحول الرقمي كرافعة مركزية في هذا المسار، حيث يشهد القطاع الصحي إدماجاً متسارعاً للتكنولوجيات الحديثة، من قبيل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الصحية، والأنظمة الرقمية المترابطة، بما يساهم في تحسين التشخيص وجودة العلاج وحكامة المنظومة الصحية. وفي هذا الإطار، أكد الوزير أن «صحة المستقبل ستكون رقمية، أو لن تكون»، مضيفاً أنها يجب أن تكون أيضاً «سيادية، صناعية وشاملة».
من جهته، اعتبر البروفيسور بجيجو، المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس لعلوم الصحة، أن الابتكار التكنولوجي لا يكتسب مشروعيته إلا إذا كان في خدمة العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، مشدداً على ضرورة ضمان ولوج متكافئ إلى الخدمات الصحية لكافة المواطنين، بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية أو أوضاعهم الاجتماعية.
ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية استراتيجية شاملة تجعل من الصحة استثماراً أساسياً وليس مجرد عبء مالي، في تحول نوعي في مقاربة السياسات العمومية، حيث باتت المنظومة الصحية تُعتبر ركيزة من ركائز الأمن الاستراتيجي للدول.
ويشكل “GITEX Future Health Africa” منصة قارية للتلاقي بين الحكومات، والقطاع الخاص، والشركات الناشئة، والمستثمرين، والباحثين، ليس فقط لتبادل الرؤى، بل لبناء شراكات ملموسة وإطلاق مشاريع عملية قادرة على إعادة تشكيل مشهد الصحة في إفريقيا.
وفي سياق النقاشات التي عرفها الحدث، تم التأكيد على أن تحقيق السيادة الصحية لم يعد خياراً ذا بعد إنساني فقط، بل ضرورة اقتصادية ملحة، خاصة في ظل المعطيات التي تشير إلى أن إفريقيا، رغم تمثيلها لنحو 17 في المائة من سكان العالم، لا تستحوذ سوى على أقل من 3 في المائة من الإنفاق الصحي العالمي.
وفي هذا الإطار، دعا المتدخلون إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو التصنيع المحلي للأدوية والمعدات الطبية، وتعزيز البنيات التحتية، وتكثيف التعاون الإقليمي، بما يساهم في بناء سوق صحية إفريقية متكاملة قائمة على تقاسم الخبرات ونقل التكنولوجيا.
كما عرفت التظاهرة مشاركة فاعلين دوليين، من ضمنهم Marc Funk، المدير التنفيذي لشركة Marbio السويسرية، وMondher Letaief، ممثل منظمة الصحة العالمية بالمغرب، إلى جانب مؤسسات مالية ومستثمرين وخبراء في الاستثمار الصحي، ما يعكس تنامي الاهتمام الدولي بالقطاع الصحي الإفريقي كفرصة اقتصادية واعدة.
وفي خلفية كل هذه الدينامية، تبرز قناعة مشتركة مفادها أن إفريقيا تتوفر على الإمكانيات والطاقات البشرية الكفيلة بتحقيق استقلالها الصحي، غير أن التحدي الحقيقي يظل في التنسيق وتسريع وتيرة التنفيذ.
وبهذا، لا يتموقع “GITEX Future Health Africa” كحدث عابر، بل كآلية لتسريع اتخاذ القرار وبناء الشراكات، في أفق رسم معالم خريطة جديدة للصحة في القارة الإفريقية، حيث تسعى المغرب إلى لعب دور محوري كقطب إقليمي للابتكار والسيادة الصحية.



















