لم يعد النظام العسكري الجزائري يكتفي بإحكام قبضته داخل البلاد ومصادرة إرادة الجزائريين، بل انتقل، وفق معطيات التحقيقات الجارية في فرنسا، إلى مرحلة أكثر خطورة عنوانها تصدير العنف السياسي خارج الحدود. فالقضية المرتبطة بالمخطط المفترض لاغتيال الضابط الجزائري السابق والمعارض هشام عبود، لم تعد تُقرأ كحادث جنائي معزول، بل كملف يحمل أبعاداً أمنية ودبلوماسية ثقيلة، يكشف طبيعة الأساليب التي باتت تُستخدم في ملاحقة الأصوات المعارضة حتى فوق التراب الأوروبي.
التحقيق الذي فتحته السلطات الفرنسية في حق اربعة أشخاص من أصول جزائرية وتتراوح أعمارهم بين 19 و22 سنة، للاشتباه في تورطهم في مخطط لاغتيال هشام عبود بمدينة روبيه شمال فرنسا خلال فبراير 2025.، وهم : “ج.ب” و “أ.ب” و “و.ب” و “م.ن” . وتلاحقهم اتهامات مرتبطة بمحاولة تنفيذ عمل إرهابي عبر القتل المشدد، والمشاركة في مشروع إرهابي، إضافة إلى الانتماء إلى تنظيم إجرامي يُشتبه في إعداده لاعتداءات تستهدف أشخاصاً، ومحاولة قتل ضمن “عصابة منظمة” مرتبطة بنشاط إرهابي.
ويعد هشام عبود من أبرز الأصوات المعارضة للنظام الجزائري منذ سنوات. حيث أقام في فرنسا منذ تسعينيات القرن الماضي، وعاد لفترة قصيرة إلى الجزائر سنة 2011 قبل أن يغادر مجدداً بعد متابعته قضائياً، وفق ما نقلته وسائل إعلام فرنسية.
وسبق لعبود أن أكد، وفق تصريحات منسوبة إليه، أن محاولة اغتياله الأخيرة ليست الأولى، بل تأتي بعد:
تهديدات سابقة في باريس ولييج،
ومحاولة اختطاف مفترضة في برشلونة سنة 2024.
هذا التطور يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة المواجهة التي يخوضها النظام الجزائري ضد معارضيه بالخارج. فبعد سنوات ارتبطت فيها الملاحقات بحملات التشهير، والمضايقات الإلكترونية، والمراقبة والتهديد، انتقلت الأمور إلى مستوى أكثر تصعيداً يقوم على التصفية الجسدية ومحاولات الاغتيال المباشر. وهو ما يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية بشأن حدود الأنشطة السرية المرتبطة بالنظام الجزائري خارج أراضيه.
وتزداد خطورة القضية بالنظر إلى السياق الإقليمي الذي تتحرك فيه الجزائر منذ سنوات، خصوصاً في منطقة الساحل الإفريقي التي تحولت إلى بؤرة توتر أمني مزمن. فاتهامات عديدة وُجهت سابقاً إلى دوائر داخل النظام باستغلال ملف الإرهاب كورقة ضغط جيوسياسي، سواء عبر توظيف الجماعات المسلحة أو استخدام حالة الفوضى الإقليمية لتحقيق توازنات سياسية وأمنية تخدم مصالحه.
اليوم، ومع انتقال هذه الممارسات – وفق ما تكشفه التحقيقات الفرنسية – إلى قلب أوروبا، تجد باريس نفسها أمام وضع غير مسبوق. فالأمر لم يعد يتعلق بخلافات دبلوماسية تقليدية مع الجزائر حول ملفات الذاكرة أو الهجرة أو التعاون الأمني، بل بملف يمس بشكل مباشر السيادة الفرنسية وأمن الأشخاص المقيمين فوق أراضيها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعرف فيه العلاقات الفرنسية الجزائرية توتراً متراكماً بسبب سلسلة من الأزمات السياسية والدبلوماسية المتلاحقة. وإذا ما انتهى التحقيق إلى إثبات وجود شبكة منظمة تقف خلف المخطط المفترض، تتجاوز مجرد المبادرات الفردية، فإن القضية مرشحة للتحول إلى أزمة سياسية وأمنية مفتوحة بين البلدين، مع ما قد يرافق ذلك من تداعيات ثقيلة على مستوى العلاقات الثنائية والتعاون الاستخباراتي.
كما أن هذه القضية تعيد إلى الواجهة النقاش الأوروبي حول أساليب بعض الأنظمة في ملاحقة معارضيها بالخارج، خاصة مع تزايد المخاوف من انتقال ممارسات “إرهاب الدولة” إلى العواصم الغربية. فاستهداف شخصية معارضة داخل فرنسا، إن ثبتت خلفياته السياسية والتنظيمية، سيُنظر إليه باعتباره تجاوزاً خطيراً للقانون الدولي وللقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول.
ورغم أن مبدأ قرينة البراءة يظل قائماً قانونياً إلى حين انتهاء التحقيقات وصدور أحكام قضائية نهائية، فإن التداعيات السياسية للقضية بدأت بالفعل تلقي بظلالها الثقيلة على صورة النظام الجزائري. فمجرد وصول الملف إلى أروقة القضاء الفرنسي المختص في قضايا الإرهاب يكفي لإثارة موجة جديدة من الجدل الدولي بشأن طبيعة الممارسات التي تُتهم بها السلطة العسكرية الجزائرية، وحدود استخدامها للعنف في تصفية خصومها السياسيين خارج البلاد.




















