نجيبة جلال
ما الذي جرى حتى وصلنا إلى هذا الدرك؟ كيف تحولت بعض المنابر التي وُجدت لتنوير الرأي العام إلى مصانع للشائعات، وأسواق للمزايدة، ومسالخ للسمعة الإنسانية؟ كيف أصبح التشهير مهنة، والقذف محتوى، والاتهام المجاني سلعة تُباع وتُشترى في بورصة المشاهدات؟
لقد نشأ جزء من المشهد الإعلامي المعاصر على قاعدة خطيرة: الحقيقة لم تعد هي الغاية، بل الانتباه. لم يعد السؤال: “هل هذا صحيح؟” بل: “كم سيجلب هذا من تفاعل؟”. وهنا بدأت الكارثة. فحين يُستبدل معيار الصدق بمعيار الانتشار، تصبح الأكاذيب أكثر ربحية من الوقائع، وتتحول الإثارة إلى عقيدة مهنية، ويصبح الإنسان مجرد مادة خام تُستهلك سمعته من أجل بضعة أرقام على شاشة.
سياسيًا، لم يعد بعض الإعلام يكتفي بدور الناقل أو المراقب، بل انخرط في الصراع لاعبًا وحكمًا وجلادًا في الوقت نفسه. سقطت الحدود بين الخبر والدعاية، وبين التحقيق والتصفية، وبين النقد المشروع والاغتيال المعنوي. وأصبح كثير من المنابر يتصرف وكأنه سلطة فوق كل سلطة، يوجه الاتهامات ويصدر الأحكام ويحدد المذنبين قبل أن يتكلم القضاء أو تظهر الحقائق.
قانونيًا، نحن أمام تحدٍ خطير لجوهر دولة القانون. فالتشهير ليس رأيًا، والقذف ليس حرية تعبير، والمحاكمة الإعلامية ليست عدالة. عندما تُدان الأسماء أمام الجماهير قبل أن تُدان أمام القضاء، وعندما تصبح العناوين الصاخبة أقوى من الأدلة، فإننا ننتقل من مجتمع القانون إلى مجتمع الشبهة، حيث يكفي أن يُتداول الاتهام حتى يتحول في أذهان الناس إلى حقيقة.
أما اجتماعيًا، فالثمن أفدح مما يتصور كثيرون. إن أخطر ما تفعله صحافة التشهير ليس تدمير الأفراد فحسب، بل تدمير الثقة العامة. فهي تُنتج مجتمعًا متوترًا، شكاكًا، سريع الإدانة، بطيئًا في الإنصاف. مجتمعًا يتغذى على الفضائح أكثر مما يتغذى على المعرفة، ويكافئ الصراخ أكثر مما يكافئ الحقيقة.
إن المشكلة ليست في وجود صحافة قوية، بل في وجود إعلام فقد ضميره. إعلام يرفع شعار الحرية بينما يمارس الابتزاز المعنوي، ويتحدث باسم الحق العام بينما يعتاش على انتهاك الكرامات. وحين يصبح الوحل استراتيجية، والفضيحة نموذج أعمال، والتشهير وسيلة للربح أو النفوذ، فإن الخطر لا يهدد المهنة وحدها، بل يهدد الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع كله.
عند هذه النقطة، لا يكون السقوط سقوط إعلام فحسب، بل سقوطًا في معنى المسؤولية ذاته. فالأمم لا تنهار فقط بفعل الفقر أو الاستبداد، بل تنهار أيضًا عندما تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة و الضجيج، وبين النقد والافتراء، وبين الصحافة والابتذال. هنا يبدأ الخراب الحقيقي.





















