بعد سبعة عشر عاما من الفراغ التنظيمي، استعادت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، اليوم بالدار البيضاء، واحدة من أهم قلاعها المهنية والتنظيمية، في لحظة بدت أقرب إلى إعادة بعث الروح داخل جسد نقابي ظل لسنوات يعيش على وقع التشتت والانتظار.
ففي يوم وصفه عدد من المهنيين بالتاريخي، نجحت النقابة الوطنية للصحافة المغربية في إعادة هيكلة فرع جهة الدار البيضاء ـ سطات، واضعة بذلك حدا لسنوات طويلة من الغياب التنظيمي داخل أكبر تجمع مهني للصحافيين والصحافيات بالمملكة.
الحدث لم يكن مجرد انتخاب مكتب جهوي جديد، بل حمل دلالات أعمق تتجاوز الجانب التنظيمي الصرف، ليعكس بداية تشكل جيل جديد من الصحافيين المهنيين المؤمنين بضرورة استعادة العمل النقابي لمكانته الطبيعية، في سياق يعرف تحولات عميقة داخل قطاع الإعلام والصحافة بالمغرب.
الجمع العام الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء، فتح المجال أمام المهنيات والمهنيين لإعادة رسم ميزان القوى المهني من داخل المؤسسات، بعيدا عن منطق الفراغ أو التدبير الموسمي، حيث أفرز مكتبا جهويا يضم أسماء مهنية تمثل حساسيات وتجارب متعددة داخل الحقل الإعلامي.
وأسفرت عملية الهيكلة عن انتخاب العربي رياض كاتبا للفرع الجهوي، إلى جانب خالد الكيراوي نائبا أول، وإبراهيم مخلص نائبا ثانيا، وحسن عرابي نائبا ثالثا، فيما أسندت مهمة أمينة المال إلى سناء طالب بمساعدة ليلى بلعربي كنائبة لها، بينما تولى حميد كمالي مهمة المقرر إلى جانب بشرى بلعابد كنائبة له.
كما ضمت تشكيلة المجلس عددا من الأسماء المهنية، من بينها يوسف الخطيب، مراد سمية، حسن ندير، محمد الوراق، بوجمعة الزايدي، عبد الله أسعد، وهيبة آيت إيدر، جميلة البزيوي، لمياء… ويوسف الساكت.
إعادة بناء الصرح التنظيمي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بجهة الدار البيضاء ـ سطات، لا تحمل فقط معنى استعادة هيكل مهني غائب، بل تعكس أيضا تحولا داخل الوعي الجماعي لعدد من الصحافيين الشباب، الذين باتوا يدركون أن مستقبل المهنة لا يمكن أن يبنى خارج المؤسسات المهنية القوية والقادرة على التأطير والدفاع والترافع.
فالدار البيضاء، باعتبارها القلب الإعلامي والاقتصادي للمغرب، ظلت لسنوات تعيش مفارقة غريبة: حضور مهني وإعلامي كثيف، مقابل غياب بنية نقابية جهوية قادرة على تجميع هذا الثقل داخل إطار تنظيمي موحد.
اليوم، يبدو أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية تحاول استعادة هذا التوازن، وإعادة وصل ما انقطع بين الجسم المهني والعمل النقابي المؤسساتي، في مرحلة لم تعد فيها المهنة تحتمل المزيد من التشرذم أو الفراغ.
لكن، وراء هذا الحدث التنظيمي، تبرز أسئلة أكبر وأكثر عمقا.
هل نحن أمام بداية عودة فعلية لتوهج النقابة الوطنية للصحافة المغربية داخل المشهد المهني؟ وهل سينجح هذا الفرع الجديد في إعادة بناء الثقة بين الصحافيين والعمل النقابي بعد سنوات من البرود والعزوف؟
ثم هل سيتمكن هذا الجيل الجديد من صياغة خطاب نقابي مختلف، يليق بتحولات المهنة وتحدياتها الجديدة، ويتجاوز فقط منطق “النضال من أجل الخبز” نحو ترافع مهني أوسع حول أخلاقيات المهنة، والسيادة الإعلامية، والحماية الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي، واستقلالية الصحافة، ومستقبل المؤسسات الإعلامية المغربية؟
فالمهنة اليوم لم تعد تواجه فقط مشاكل الأجور أو الهشاشة، بل أصبحت في قلب تحولات كبرى تعيد تعريف معنى الصحافة نفسها، في زمن الخوارزميات، والمنصات الرقمية، وحروب التأثير، وصناعة السرديات.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي أمام هذا الفرع الجديد، لن يكون فقط في تدبير الشأن التنظيمي اليومي، بل في قدرته على إنتاج رؤية نقابية حديثة تعيد للصحافي المغربي مكانته الرمزية والمهنية داخل المجتمع.
وحدها السنوات المقبلة ستكشف إن كان ما حدث اليوم مجرد عودة تنظيمية عابرة، أم بداية فعلية لمرحلة جديدة داخل تاريخ العمل النقابي المهني بالمغرب.





















