اوسار أحمد/
لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً حين كانت طفلة لا يتجاوز عمرها الرابعة عشرة سنة تقف قرب رصيف مهمل بأحد شوارع القنيطرة. ملامحها ما تزال تحمل براءة الطفولة، وشعرها المبعثر يخفي وجهاً يفترض أن يكون منشغلاً بواجبات المدرسة لا بمواجهة قسوة الشارع. في يدها كيس بلاستيكي صغير يحتوي على مادة “السيليسيون”، بينما كانت تتبادل الحديث مع أربعة متشردين، اثنان منهم قاصران والآخران أكبر سناً.
لم يكن المشهد استثنائياً بالنسبة للمارة الذين اعتادوا رؤية أطفال الشارع في عدد من أحياء المدينة، لكنه يكشف جانباً من واقع أكثر قسوة. فهذه الطفلة التي يفترض أن تجد الحماية داخل أسرتها أو مؤسستها التعليمية، أصبحت تقضي ساعاتها وسط بيئة محفوفة بمخاطر الإدمان والعنف والاستغلال. وبينما يواصل المارة طريقهم، تبقى هي وغيرها من القاصرين عالقين في عالم لا يعترف بسنهم ولا بحقهم في طفولة آمنة.
داخل هذا الفضاء الهش، تتحول الفتيات القاصرات إلى الفئة الأكثر عرضة للمخاطر، حيث تتزايد احتمالات التعرض للاستغلال والعنف بمختلف أشكاله، فيما تتعمق هشاشتهن الاجتماعية والنفسية مع كل يوم إضافي يقضينه بعيداً عن الأسرة والمدرسة.
وتزداد الصورة قتامة عندما يتعلق الأمر بالفتيات المتشردات اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة الأمومة داخل الشارع. ففي عدد من الحالات، يمكن مشاهدة فتيات في سن المراهقة وهن يدفعن عربات أطفال أو يحملن رضعاً ولدوا في ظروف تفتقر إلى أبسط شروط الرعاية والحماية. وبعضهن أنجبن أكثر من طفل خلال سنوات التشرد، ما أدى إلى بروز ظاهرة “الأمهات المتشردات”، حيث يبدأ أطفال جدد حياتهم على الأرصفة وفي الأماكن المهجورة بدل أن ينشؤوا داخل أسر مستقرة. ولا تقتصر خطورة هذه الوضعية على إعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية جيلاً بعد جيل، بل تمتد أيضاً إلى المخاطر الصحية المرتبطة بالعلاقات الجنسية غير المحمية وما قد تسببه من أمراض ومضاعفات صحية تزيد من تعقيد الأزمة.
هذا المشهد لا يمثل حالة معزولة، بل يعكس ظاهرة آخذة في الاتساع بمدينة القنيطرة، حيث تتقاطع عوامل التفكك الأسري والهدر المدرسي والفقر والإهمال لتدفع أطفالاً ومراهقين نحو الشارع، قبل أن يجدوا أنفسهم أسرى واقع جديد يصعب الخروج منه.
في محيطات حضرية متفرقة بالمدينة، يلاحظ فاعلون اجتماعيون تزايد حضور القاصرين في وضعية تشرد أو هشاشة قصوى، ما يطرح أسئلة ملحة حول أسباب الظاهرة وحدود فعالية آليات الحماية الاجتماعية. فخلف كل طفل يفترش الرصيف أو يتخذ من الحدائق والأماكن المهجورة مأوى له، توجد قصة طويلة من المعاناة والانكسارات المتراكمة.
ويرى الصحفي والفاعل الجمعوي إدريس طيطي أن تشرد الأطفال لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يكون نتيجة مسار طويل يبدأ غالباً داخل الأسرة. ويوضح أن الطلاق والخلافات الأسرية المستمرة والعنف الجسدي أو اللفظي وضعف التواصل بين الآباء والأبناء، كلها عوامل تدفع القاصرين إلى البحث عن بدائل خارج البيت، حتى وإن كانت تلك البدائل شديدة الخطورة.
ويضيف أن الانقطاع عن الدراسة يمثل محطة أساسية في هذا المسار، إذ يفقد الطفل أحد أهم فضاءات التأطير والحماية، ليتحول تدريجياً إلى الشارع الذي يمنحه شعوراً مؤقتاً بالحرية، لكنه يضعه في مواجهة مخاطر أكبر بكثير.
ولا تقتصر آثار التشرد على فقدان الدراسة فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية للأطفال. فالحياة اليومية في الشارع تفرض عليهم التكيف مع العنف والخوف وعدم الاستقرار، ما يؤدي إلى اضطرابات نفسية متعددة، من بينها القلق والاكتئاب وفقدان الإحساس بالأمان.
من جانبه، يعتبر الباحث في علم النفس الاجتماعي والأسرة محمد حبيب أن الظاهرة تعكس تفاعلاً معقداً بين عوامل أسرية واقتصادية ونفسية. ويؤكد أن الأطفال الذين يغادرون منازلهم لا يفعلون ذلك بسبب حادث عابر، بل بعد تراكم طويل لمشاعر الرفض والإهمال وفقدان التقدير الذاتي.
ويحذر حبيب من أن الشارع يفرض على الطفل ما يسميه “نمط البقاء”، حيث تصبح الأولوية لتأمين الطعام والمأوى والحماية من الأخطار اليومية، بدلاً من النمو الطبيعي والتعلم وبناء الشخصية. كما أن التعرض المتكرر للعنف والاستغلال والإدمان يترك آثاراً قد تستمر لسنوات طويلة حتى بعد مغادرة الشارع.
وفي الجانب الميداني، تكشف سناء بلخو، رئيسة جمعية الدار الكبيرة للأعمال الاجتماعية والثقافية والمسيرة للمركب الاجتماعي للأشخاص في وضعية صعبة بالقنيطرة، عن تسجيل حالات لفتيات قاصرات تعرضن للعنف والاستغلال، بعضها انتهى بحمل أو ولادة في سن مبكرة. وتوضح أن هذه الحالات تخضع لمساطر حماية قانونية ومواكبة اجتماعية ونفسية بتنسيق مع النيابة العامة ومصالح التعاون الوطني والقطاعات المختصة.
وتؤكد المتحدثة أن بعض الفتيات تمكنّ من استئناف الدراسة والاندماج مجدداً داخل المجتمع، فيما نجح عدد من الشباب الذين عاشوا سابقاً في الشارع في بناء مسارات مهنية مستقرة. غير أن هذه النماذج، رغم أهميتها، لا تخفي استمرار المخاطر المرتبطة بالإدمان والاستغلال والانقطاع المدرسي.
وتجمع مختلف الشهادات على أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على التدخل بعد وصول الطفل إلى الشارع، بل تستوجب العمل على الأسباب التي تدفعه إليه منذ البداية. فدعم الأسر الهشة، ومحاربة الهدر المدرسي، وتعزيز خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية، وتطوير آليات الرصد المبكر داخل المؤسسات التعليمية، تبقى من بين أهم الإجراءات الكفيلة بالحد من تفاقم الأزمة.
وعندما يحل الليل وتخفت حركة المدينة، تبقى تلك الطفلة التي تحمل كيس “السيليسيون” مجرد وجه من بين عشرات الوجوه التي تعيش على الهامش. وجوه لا تبحث فقط عن مكان للنوم أو لقمة تسد الجوع، بل عن فرصة ثانية للعودة إلى حياة كان يفترض أن تبدأ من المدرسة والأسرة، لا من الرصيف والشارع.





















