نجيبة جلال /
ليس الغريب أن تتنافس كنزة الشرايبي ونجوى ككوس على تزكية انتخابية.
وليس المثير أن تذرف إحداهما الدموع لأنها لم تحصل على ما كانت تعتبره حقاً مكتسباً.
وليس مستغرباً أيضاً أن يختار حزب الأصالة والمعاصرة مرشحة بدل أخرى، فذلك في النهاية جزء من قواعد اللعبة السياسية.
الغريب أن في هذا المشهد السياسي، نرى سندريلا جالسة،
ليست سندريلا التي نعرفها في الحكايات.
بل نسخة سياسية حديثة تؤمن بأن الأمير سيأتي دائماً، وأن العربة لن تتحول إلى يقطينة أبداً، وأن الدعوات إلى القصور الانتخابية حق مكتسب لا يخضع لحسابات الزمن ولا لتقلبات السياسة.
لسنوات طويلة، عاشت بعض الوجوه السياسية على هذا اليقين.
يكفي أن يهمس رجل نافذ في أذنها بأن البرلمان في الطريق، حتى تبدأ في اختيار مقاس المقعد قبل أن تصل إليه.
يكفي أن يعدها مسؤول قوي بمستقبل سياسي باهر، حتى تتعامل مع ذلك الوعد كما لو كان مرسوماً نُشر في الجريدة الرسمية.
ثم يحدث ما يحدث دائماً في السياسة.
يتغير الأشخاص.
تتبدل موازين القوى.
يسقط بعض من كانوا يوزعون الأحلام على الآخرين.
وتكتشف سندريلا متأخرة أن الأمير لم يكن أميراً إلى هذا الحد.
وأن القصر لم يكن ملكاً لأحد.
وأن السياسة ليست وكالة أسفار تمنح تذاكر مضمونة نحو البرلمان.
المثير في الحكاية ليس أن امرأة خسرت تزكية لصالح امرأة أخرى.
فذلك يحدث كل يوم في كل الأحزاب.
وليس غريباً أن يختار حزب مرشحة بدل أخرى.
فالأحزاب، مهما قيل عنها، لا توزع التزكيات باعتبارها هدايا نهاية السنة.
لكن الغريب حقاً هو حجم الدهشة التي تصيب البعض عندما يكتشف أن النفوذ الشخصي له تاريخ انتهاء صلاحية.
وكأن السياسة لا تزال بالنسبة إليهم مجرد شبكة علاقات لا مشروعاً مجتمعياً.
المشكلة أن هذه العقلية لا تخص شخصاً بعينه.
إنها مرض سياسي قديم.
مرض يعتقد أصحابه أن النجاح الانتخابي يولد في مكاتب النافذين لا في الشارع.
وأن المستقبل السياسي يصنعه القرب من الأشخاص لا القرب من المواطنين.
وحين تسقط هذه الأوهام، تبدأ حفلات البكاء والعتاب وتبادل الرسائل والتسريبات والوساطات.
وكأن الأمر يتعلق بفسخ خطوبة لا بقرار سياسي.
ثم يظهر حول كل مرشحة جيش صغير من الأصدقاء والأنصار والكتّاب الموسميين.
فجأة يصبح الجميع خبراء في التزكيات.
الجميع يكتب.
الجميع يدافع.
الجميع يهاجم.
وكأن الحزب كان بصدد توزيع صداق عروس لا اختيار مرشح لتمثيل المواطنين.
المؤسف أن هذا كله يسيء قبل أي شيء آخر إلى صورة المرأة في السياسة.
فالمرأة التي نريدها في الحياة العامة ليست تلك التي تستمد قوتها من ظل رجل نافذ.
ولا تلك التي تعيش على وعود الآخرين.
ولا تلك التي تعتقد أن الجمال أو الحضور الاجتماعي أو شبكة العلاقات يمكن أن تعوض الكفاءة والعمل والإنجاز.
السياسة، في النهاية، ليست مسابقة أناقة.
وليست معرضاً للشعر المصفف والابتسامات اللامعة.
وليست منافسة في عدد الصور والمنشورات.
السياسة مسؤولية ثقيلة لا تحملها الأكتاف الناعمة إلا إذا ساندتها الكفاءة.
ولهذا لا تكمن المشكلة في فوز نجوى أو خسارة كنزة.
ولا في هذه التزكية أو تلك.
المشكلة أن جزءاً من نخبنا السياسية لا يزال ينظر إلى السلطة بعقلية الحكايات.
ينتظر الأمير.
ويبحث عن الساحر.
ويصدق الوعود.
ثم يغضب حين يكتشف أن السياسة ليست قصة خيالية.
وأن منتصف الليل يأتي دائماً.
حتى في الديمقراطية.





















