نجيبة جلال/
كتب محمد أوزين عن التقاعد.
وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد مساهمة سياسية في نقاش عمومي تعرفه البلاد منذ سنوات. غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن القضية المطروحة تتجاوز حدود السجال الحزبي المعتاد، لتلامس واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الدولة الاجتماعية في المغرب.
ذلك أن التقاعد، في جوهره، ليس مجرد ملف مالي تديره الصناديق، ولا مجرد معادلات اكتوارية يتداولها الخبراء، بل هو تعبير عن طبيعة العقد الذي يربط الدولة بمواطنيها، وعن الكيفية التي يختار بها المجتمع توزيع أعباء الحاضر وضمانات المستقبل بين أجياله المتعاقبة.
من هذه الزاوية تكتسب الأسئلة التي يطرحها أوزين أهميتها.
فالمغرب يقف اليوم أمام تحولات عميقة لم يكن يعرفها قبل عقود قليلة. فمتوسط العمر ارتفع بشكل ملحوظ، وتحسنت المؤشرات الصحية، وتغيرت بنية الأسرة المغربية، كما تغيرت طبيعة سوق الشغل ومصادر إنتاج الثروة.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح المؤسسات التي أنشئت في سياق سابق مطالبة بإعادة النظر في أسس اشتغالها حتى تظل قادرة على أداء وظائفها.
لقد تأسست أنظمة التقاعد في مرحلة كان فيها عدد المساهمين يفوق بكثير عدد المستفيدين، وكانت التوازنات الديمغرافية تسمح باستمرار منطق التضامن بين الأجيال دون ضغوط كبيرة.
أما اليوم فإن المعطيات تغيرت.
وليس المغرب استثناء في ذلك.
فمعظم دول العالم، من أوروبا إلى آسيا وأمريكا الشمالية، تواجه الإشكالية نفسها: كيف يمكن الحفاظ على مكتسبات الحماية الاجتماعية في ظل ارتفاع أعداد المتقاعدين وتراجع الوزن النسبي للفئات النشيطة داخل المجتمع؟
هنا تحديدا تكمن طبيعة التحدي.
فالمسألة ليست تقنية فقط، وليست سياسية فقط، وإنما هي في جوهرها مسألة حضارية ترتبط بقدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات العدالة الاجتماعية من جهة، وضرورات الاستدامة المالية من جهة أخرى.
ولهذا فإن اختزال النقاش في إجراءات جزئية، أو في مواجهة بين الحكومة والمعارضة، قد يحجب جوهر القضية.
فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإنقاذ صندوق أو تأجيل عجز مالي، بل يتعلق بإعادة التفكير في النموذج برمته.
كيف يمكن توسيع قاعدة المساهمين؟
كيف يمكن إدماج ملايين العاملين خارج القطاع المهيكل؟
كيف يمكن تحويل النمو الاقتصادي إلى مصدر إضافي لتعزيز الحماية الاجتماعية؟
وكيف يمكن بناء منظومة قادرة على الصمود أمام التحولات الديمغرافية التي ستعرفها المملكة خلال العقود المقبلة؟
إن هذه الأسئلة لا تخص حكومة بعينها، ولا ولاية تشريعية محددة، لأنها ترتبط بمستقبل أجيال كاملة.
وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للنقاش الذي أعاد محمد أوزين فتحه.
فبعيداً عن المواقف السياسية، يظل التقاعد أحد الملفات التي تفرض على الجميع التفكير بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة، وبمنطق المستقبل لا بمنطق الاستحقاق الانتخابي القريب.
فبعض القضايا يمكن أن تنتظر.
أما الزمن الديمغرافي فلا ينتظر أحداً.
وما لا يعالَج اليوم بكلفة معقولة، قد يفرض نفسه غداً بكلفة أكبر، ليس على المالية العمومية فقط، بل على التوازن الاجتماعي الذي يشكل أحد أعمدة استقرار الدول واستمرارها.





















