نجيبة جلال /
هناك قبائل لا تعرفها كتب الأنساب، ولا ترد في خرائط الجغرافيا، ولا تعترف بها القوانين. لكنها، مع ذلك، أكثر حضوراً وتأثيراً من كثير من القبائل التي صنعتها الأرض والتاريخ.
إنها قبيلة بني وي وي.
قبيلة لا وطن لها، لأن أوطانها الأشخاص. ولا عقيدة لها، لأن عقيدتها الوحيدة هي التصفيق. تنتقل حيث يوجد من يهوى سماع صدى صوته أكثر مما يهوى سماع الحقيقة.
وفي هذه القبيلة، لا قيمة للكفاءة ولا للمعرفة ولا للتجربة. يجلس الذكي إلى جوار الجاهل، والمجتهد إلى جانب الكسول، وصاحب المبدأ إلى جانب الانتهازي، يجمعهم خيط واحد: أن يقولوا دائماً “وي”.
فإذا تكلم الزعيم قالوا: وي.
وإذا أخطأ قالوا: وي.
وإذا تناقض قالوا: وي.
وإذا تعثر، أقنعوه أن التعثر جزء من العبقرية.
إن أخطر ما تفعله هذه القبيلة أنها لا تصنع قائداً، بل تصنع وهماً. تبدأ بإقناع الرجل بأنه استثناء، ثم تقنعه بأنه لا يخطئ، ثم تنتهي إلى إقناعه بأن كل من يخالفه حاسد أو جاهل أو متآمر.
وهنا تبدأ المأساة.
فالقائد الذي لا يسمع إلا التصفيق، يفقد تدريجياً القدرة على سماع الحقيقة. ومع مرور الوقت، تتحول دائرة المؤيدين إلى جدار عازل يمنع وصول أي رأي مخالف، فلا يبقى أمامه سوى صورته التي رسمها له المصفقون.
ولعل ما تنبه إليه ابن خلدون قبل قرون لا يزال صالحاً لفهم هذه الظاهرة؛ ففساد العصبية يبدأ يوم تتحول من رابطة للتعاون إلى أداة لتعطيل العقل، ويصبح الولاء للشخص بديلاً عن الاحتكام إلى الواقع.
ولذلك، لا يخاف أهل بني وي وي من الفشل بقدر ما يخافون من الناجحين. فالنجاح الحقيقي يفضح الزيف، والكفاءة تكشف خواء المديح، وصاحب الرأي المستقل يهدد وحدة الجوقة.
ولهذا، إذا اجتمعوا على ناجح، سعوا إلى تقزيمه. وإذا التفوا حول مغرور، بالغوا في نفخ صورته حتى يصدق أنه أكبر من الحقيقة نفسها.
لكن للتاريخ قاعدة لا تستثني أحداً.
فكل قائد أحاط نفسه بمن يقولون له “نعم” في كل شيء، انتهى إلى لحظة لم يعد فيها يسمع إلا صدى صوته.
وعند تلك اللحظة، لا يسقط القائد وحده…
بل تسقط معه قبيلة بني وي وي، لتبدأ رحلتها المعتادة في البحث عن مغرور جديد، تمنحه اللقب نفسه، وتردد له الكلمة نفسها:
وي… وي… وي.





















