غداً، تعقد وزارة الداخلية آخر اجتماع لها مع الأحزاب السياسية قبل انطلاق المباراة الانتخابية.
في الظاهر، يتعلق الأمر بمحطة تقنية لتدقيق الترتيبات النهائية للاستحقاقات التشريعية المقبلة. لكن في السياسة، ليست كل الاجتماعات اجتماعات عمل، وليست كل الرسائل تُكتب في البلاغات الرسمية. أحياناً، يكون مجرد انعقاد الاجتماع هو الرسالة.
ولهذا، فإن من يقرأ لقاء وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بالأحزاب باعتباره اجتماعاً بروتوكولياً فقط، يفوته الجزء الأهم من المشهد.
فالوزارة، وهي تجمع تحت سقف واحد أحزاب الأغلبية والمعارضة، والأحزاب الممثلة في البرلمان وغير الممثلة فيه، تعيد التأكيد على مبدأ أصبح من ثوابت الدولة المغربية: الإدارة ليست لاعباً في المباراة، بل هي الحكم الذي يسهر على احترام قواعدها.
وهنا تكمن دلالة هذا الاجتماع.
ففي كل موسم انتخابي، يعلو صوت التأويلات كل مصطف الى جانب صديقه. يبدأ الحديث عن “الحزب المرضي عنه”، وعن “مرشح الدولة”، وعن شخصيات يقال إنها حسمت مستقبل المرحلة المقبلة، وكأن صناديق الاقتراع مجرد إجراء شكلي لتأكيد ما قرره آخرون سلفاً.
هذا الخطاب لم يعد يصدر فقط عن خصومات الأحزاب وتنافسها، بل أصبح يغذيه بعض الإعلاميين، وجيوش إلكترونية مجندة، وأشخاص يعتقدون أن قربهم من مسؤول أو من حزب يمنحهم حق الحديث باسم الدولة، أو تفسير قراراتها، أو استباق خياراتها.
وهؤلاء يخطئون في فهم طبيعة الدولة.
فالدولة لا تشتغل بالإشارات التي يتداولها أصحاب الصالونات السياسية، ولا بمنطق التسريبات، ولا بمن يوزعون صكوك القرب والرضا. والدولة، عندما تريد أن تبعث برسالة، تفعل ذلك عبر مؤسساتها، لا عبر الوسطاء.
واجتماع لفتيت غداً هو واحدة من تلك الرسائل.
إنه تذكير بأن وزارة الداخلية تقف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، ليس مجاملة لأحد، وإنما حفاظاً على شرعية الانتخابات نفسها. لأن أي انطباع بانحياز الإدارة إلى طرف سياسي، يفتح الباب بعد إعلان النتائج أمام التشكيك في العملية الانتخابية برمتها، ويمنح الخاسرين ذريعة للطعن في مصداقيتها.
لقد قطع المغرب، خلال السنوات الماضية، أشواطاً مهمة في ترسيخ الثقة في المسار الانتخابي. ولم تعد النقاشات الكبرى تدور حول نزاهة الصناديق كما كان يحدث في مراحل سابقة، بل حول البرامج والتحالفات والقدرة على إقناع الناخب.
ومن الخطأ العودة إلى خطاب يوحي بأن النتائج تُصنع خارج إرادة المواطنين.
المسؤولية اليوم لا تقع على الأحزاب وحدها، بل أيضاً على بعض المنابر الإعلامية، وعلى جيوش الذباب الإلكتروني، التي تروج كل يوم لروايات عن “حزب الدولة” و”المرشح المحظي” و”الضوء الأخضر” لهذا الطرف أو ذاك.
قد يعتقد أصحاب هذه الروايات أنهم يخدمون حزباً أو يرفعون أسهم شخصية سياسية، لكنهم في الواقع يضرون بصورة المسار الديمقراطي نفسه. لأنهم يزرعون الشك قبل الاقتراع، ثم يوفرون بعده المادة التي يمكن أن تُستعمل لتسفيه نتائجه داخلياً وخارجياً.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يسبق الانتخابات ليس: من سيفوز؟
بل: من يفهم لغة الدولة؟
ومن يفهم هذه اللغة، يدرك أن الدولة لا تدخل المباراة لاعباً، ولا تشجع فريقاً، ولا تختار الفائز مسبقاً، بل تحرص فقط على أن تُلعب المباراة وفق القواعد… وأن يكون الحكم فيها صندوق الاقتراع وحده.





















