نجيبة جلال
ما نعيشه اليوم ليس أزمة في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا حتى في الأرقام… بل أزمة في الإنسان نفسه.
لقد وصل المجتمع المغربي إلى مرحلة أصبح فيها الحقد أكثر حضوراً من الأمل، والاستفزاز أكثر انتشاراً من الاحترام، والغضب لغةً يومية، و السؤال الحقيقي ليس: ماذا وقع؟ بل أصبح: من الذي غيّر الإنسان المغربي؟ ومن سرق عقله الهادئ؟
لأن المغربي الذي نعرفه ليس هذا الذي نراه اليوم.
هذا الشعب لم يكن عدوانياً في يوم من الأيام. لم يكن يفرح بسقوط الآخرين، ولم يكن يقيس الناس بما يملكون، ولم يكن يعتبر الكراهية وسيلة للصعود. كان شعباً يبني أسرته قبل أن يبني ثروته، ويحفظ كرامته قبل أن يطلب الرفاهية، ويؤمن بأن الاحترام رأس مال لا يقل قيمة عن المال.
فكيف وصلنا إلى هذا الحد؟
كيف أصبح المجتمع الذي كان يفاخر بالتضامن، يعيش اليوم على إيقاع الاستفزاز؟
وكيف أصبح شبابه يصرخ، بينما تصر نخبه على القول إنها لا تسمع شيئاً؟
كانت الأسر المغربية تعيش بالقليل… لكنها كانت تعيش في سلام. لم تكن السيارات الفاخرة ولا القصور الضخمة شرطاً للشعور بالسعادة. وكان الغني يحظى بالاحترام لأنه كان غالباً أكثر تواضعاً، وأكثر حرصاً على ألا يجرح مشاعر الناس.
اليوم تغير المشهد.
لم تعد المشكلة في وجود الأغنياء، فالثروة ليست جريمة، والنجاح ليس تهمة. المشكلة أن فئة صغيرة، ظهرت فجأة في مختلف القطاعات، لم تعرف كيف تتعايش مع المال الذي حصلت عليه. أشخاص انتقلوا بين ليلة وضحاها من الهامش إلى الواجهة، لكنهم حملوا معهم فقرهم الثقافي، وجوعهم إلى الاعتراف، وعقدهم القديمة.
امتلكوا المال… ولم يمتلكوا التواضع.
اشتروا السيارات… ولم يشتروا الاحترام.
ارتفعت حساباتهم البنكية… بينما بقيت قيمهم في القاع.
أشخاص يستفزون المغاربة….لأنهم يكرهون أنفسهم!
ولهذا أصبحنا نرى، في كل قطاع تقريباً، وجوهاً لا تمثل النجاح بقدر ما تمثل التعالي. يتحدثون وكأنهم أوصياء على المجتمع، ويتصرفون وكأن المال منحهم حق احتقار الآخرين. صدقوا أن الثروة غيرت جلدهم، وأنها رفعتهم فوق الناس، بينما الحقيقة أنها كشفت فقط ما كان مختبئاً في داخلهم.
ولذلك لم يكن المثل المغربي عبثياً حين قال إن الثري إذا افتقر احتاج سنوات حتى يقتنع بأنه لم يعد ثرياً، أما الجائع إلى الكرامة، أو الفقير في الأخلاق، فلا يحتاج إلا أياماً قليلة بعد أن يذوق المال حتى يتحول إلى طاغية صغير.
فالمال لا يصنع الإنسان…
إنه يكشفه.
يكشف المتواضع فيزداد تواضعاً.
ويكشف المتكبر فيزداد غروراً.
ويكشف الفارغ فيتحول إلى أكثر الناس ضجيجاً.
وفي المقابل، يقف جيل كامل لا تفهمه نخب البلاد.
جيل لا يشبه الأجيال السابقة، ولا يريد أن يعيش بالقواعد القديمة.
هذا الشاب لا يرفض العمل… لكنه يرفض الإهانة.
لا يرفض السلطة… لكنه يرفض التعالي.
لا يرفض النجاح… لكنه يرفض أن يشعر بأنه مواطن من درجة ثانية.
ولعل كلمة دخول كلمة الحكرة إلى القاموس المغربي منذ، سنوات ، مثلث مؤشرا كان يجب دراسته. الكلمة ليست مجرد كلمة تصف ظلماً عابراً، بل أصبحت عنواناً لشعور عميق بأن الكرامة نفسها أصبحت محل تفاوت.
وهنا أخطأت نخبنا.
ظلت تعتقد أن الشباب يطالب بالمال فقط، بينما هو يطالب أولاً بالاحترام.
اعتقدت أنه غاضب بسبب البطالة فقط، بينما هو غاضب أيضاً لأن أحداً لا يريد أن يسمعه.
واعتقدت أن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي صنعت الأزمة، بينما الحقيقة أنها لم تصنعها… بل فضحتها.
إن المغرب لا يعيش أزمة ثروة…
بل يعيش أزمة قيم.
ولا يعيش نقصاً في الإمكانيات…
بل نقصاً في القدوة.
فحين يصبح الاستفزاز أسلوب حياة، والتعالي علامة نجاح، وقلة الأدب وسيلة للشهرة، فلا ينبغي أن نتساءل لماذا ارتفع الغضب، بل لماذا سمحنا بانهيار السلم الأخلاقي الذي كان، لعقود طويلة، أعظم ثروة امتلكها المجتمع المغربي.
السؤال إذن ليس: إلى أين يسير المغرب؟
السؤال الأخطر هو:
أي مغربي نُنتج اليوم… وأي عقل سنترك للأجيال القادمة؟





















