اوسار أحمد
لم يكن خطاب الملك محمد السادس في الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد استعراض لحصيلة سنوات من الحكم، بقدر ما بدا وثيقة سياسية واقتصادية ترسم ملامح المرحلة المقبلة. فقد اختار العاهل المغربي أن يربط بين ما تحقق خلال العقود الماضية وبين التحديات المنتظرة، في خطاب طغت عليه لغة الثقة والاستمرارية، مع التركيز على بناء دولة أكثر قدرة على المنافسة وتعزيز السيادة الوطنية.
منذ بدايات الخطاب، برز حرص الملك على تقديم فلسفة الحكم التي اعتمدها طوال سنوات اعتلائه العرش، مؤكداً أن الهدف لم يكن تحقيق مجد شخصي أو البحث عن مكانة دولية، وإنما خدمة المواطنين وتهيئة شروط العيش الكريم. هذه الرسالة تمنح الخطاب بعداً سياسياً يتجاوز لغة الأرقام، إذ تعيد التأكيد على أن المشاريع الكبرى والإصلاحات المتراكمة تشكل امتداداً لرؤية طويلة المدى وليست رهينة للظرفية السياسية أو لتغير الحكومات.
الخطاب حمل كذلك دفاعاً واضحاً عن خيار الاستقرار باعتباره أحد أهم مكاسب المملكة. ففي وقت تعرف فيه مناطق عديدة من العالم اضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية، قدم الملك الاستقرار المغربي باعتباره رأسمالاً استراتيجياً مكّن البلاد من جذب الاستثمارات، وتنظيم التظاهرات الدولية، والتعامل مع الأزمات بكفاءة، وهو ما يعزز صورة المغرب كشريك موثوق في محيطه الإقليمي والدولي.
اقتصادياً، عكس الخطاب ثقة متزايدة في قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو، مستنداً إلى مؤشرات تتعلق بارتفاع نسبة النمو، وتطور القطاع الصناعي، وتحول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا، فضلاً عن التقدم الذي حققته صناعات الطيران والبطاريات الكهربائية والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. ويكشف هذا التركيز عن توجه واضح نحو تثبيت موقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج العالمية، والانتقال من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد يرتكز على التكنولوجيا والصناعة ذات القيمة المضافة.
وفي المقابل، لم يغفل الخطاب البعد الاجتماعي، إذ شدد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وتسريع برامج التنمية الترابية، وتقليص الفوارق المجالية، بما يعكس قناعة بأن النمو الاقتصادي لا يكتمل إلا إذا انعكس على تحسين مستوى عيش المواطنين وتعزيز العدالة الاجتماعية.
كما حملت الرسائل الموجهة إلى القطاع المالي دلالات لافتة، إذ دعا جلالة الملك إلى توسيع آليات التمويل لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار والتصنيع والتصدير، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب تعبئة أكبر للموارد الوطنية لتمويل المشاريع الاستراتيجية، وتقوية الاستثمار الداخلي باعتباره رافعة أساسية للنمو.
وعلى المستوى الخارجي، أبرز الخطاب المكانة التي بات يحتلها المغرب كشريك يحظى بالثقة، يعتمد سياسة تنويع الشراكات والانفتاح على أسواق جديدة، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، ويعزز قدرة المملكة على الدفاع عن مصالحها في مختلف الملفات الدولية.
سياسياً، تضمن الخطاب إشارة مهمة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث أكد الملك تطلعه إلى إطلاق دورة جديدة من التنمية مع الحكومة القادمة، تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى. وهي رسالة تعكس أن الأوراش الاستراتيجية للدولة ستظل مستمرة بغض النظر عن التناوب الحكومي، في إطار رؤية مؤسساتية بعيدة المدى.
في المجمل، يظهر خطاب العرش لهذه السنة أقرب إلى إعلان عن مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ “المغرب الصاعد”، من خلال الجمع بين الاستقرار السياسي، والتحول الاقتصادي، وتعزيز السيادة الوطنية، والانفتاح على المستقبل. وهو خطاب يقدم المملكة باعتبارها دولة تراكم الإنجازات بثبات، وتسعى إلى تحويل مكاسب السنوات الماضية إلى قاعدة لانطلاقة تنموية أكثر اتساعاً خلال السنوات المقبلة.





















