باحدة عبد الرزاق
لا تبدو برقية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة عيد العرش مجرد رسالة تهنئة أو إعادة تأكيد للموقف الأمريكي الداعم لمغربية الصحراء، بقدر ما تمثل الإعلان السياسي عن مرحلة جديدة في مقاربة واشنطن لهذا الملف.
فقراءة البرقية بمعزل عن سياقها الزمني تفقدها أهم دلالاتها؛ إذ لم تأت لتفتح مسارا جديدا، وإنما جاءت بعد ثلاثة أيام فقط من توقيع أول اتفاقية تمويل أمريكية مباشرة لمشروع خاص في الأقاليم الجنوبية، لتمنح غطاء سياسيا رفيع المستوى لمسار اقتصادي كان قد بدأ يتشكل بالفعل على الأرض. ومن هنا، فإن زاوية قراءة الرسالة لا تكمن فقط في ما أعلنته من مواقف سياسية، بل في توقيتها وما سبقه من وقائع استثمارية، بما يجعلها أقرب إلى تتويج لتحول جيو-اقتصادي متدرج، لا إلى نقطة انطلاق له. وبذلك، لم تعد الصحراء المغربية تقرأ فقط باعتبارها ملفا دبلوماسيا داخل أروقة الأمم المتحدة، بل باعتبارها فضاء تتقاطع فيه رهانات الموانئ والطاقة والهيدروجين الأخضر وسلاسل الإمداد الإقليمية، في لحظة يبدو فيها الاقتصاد متقدما بخطوة على السياسة.
يمكن رصد محطات متلاحقة رسمت هذا التحول على مدى ست سنوات. ففي دجنبر 2020، جاء اعتراف إدارة ترامب الأولى بسيادة المغرب على الصحراء، وهو اعتراف حمل آنذاك ثقلا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا، لكنه ظل في جوهره إعلانا سياسيا أكثر منه التزاما اقتصاديا مباشرا. وفي المقابل، كان المغرب قد شرع منذ سنة 2015 في تنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية باستثمارات تجاوزت 85 مليار درهم، واضعا بذلك البنية التحتية التي ستجعل المنطقة مؤهلة لاستقبال استثمارات دولية كبرى. ثم جاءت محطة نونبر 2023، عندما أعلن جلالة الملك محمد السادس نصره الله المبادرة الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل غير الساحلية، وفي مقدمتها مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد، من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، وهو تصور أعاد رسم الموقع الجيوسياسي للأقاليم الجنوبية، بعدما انتقلت من فضاء حدودي إلى بوابة إقليمية نحو إفريقيا الأطلسية.
وفي أبريل 2024، خصصت وزارة الخارجية الأمريكية دعما ماليا لمشاريع تنموية في الداخلة والعيون، في إشارة أولى إلى انتقال واشنطن من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى المساهمة التنموية. أما التحول الأبرز فجاء يوم 28 يوليوز 2026، عندما وقعت بمدينة العيون اتفاقية تمويل بين الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية وتحالف المستثمرين الأمريكي الإسباني الألماني “ORNX” لتمويل الدراسات الهندسية الأولية لمشروع إنتاج الأمونيا والهيدروجين الأخضر، في أول تمويل مباشر تقدمه الحكومة الأمريكية لمشروع خاص بالأقاليم الجنوبية، ضمن استثمار أولي يناهز 4.5 مليارات دولار. وبعد ثلاثة أيام فقط، جاءت برقية الرئيس ترامب لتعلن صراحة تكليف فرق أمريكية بتعزيز التنمية الاقتصادية في منطقة الصحراء في قطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع. وبهذا التسلسل، لم يعد الاعتراف السياسي يقود الاقتصاد، بل أصبح الاقتصاد هو الذي سبق الاعتراف إلى الميدان، فيما جاءت الرسالة الرئاسية لتؤطره سياسيا.
واللافت أن برقية ترامب لم تكتف بإعادة تثبيت الموقف الأمريكي من قضية الصحراء المغربية، بل كشفت أيضا عن طبيعة المرحلة الجديدة التي تريد واشنطن الانخراط فيها. فالحديث الصريح عن الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع يعكس انتقال الخطاب الأمريكي من منطق الاعتراف السياسي إلى منطق بناء المصالح الاستراتيجية.
وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل مؤشر على أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى الصحراء باعتبارها فضاء لإنتاج المصالح المشتركة، لا مجرد ملف نزاع إقليمي تدعمه دبلوماسيا. فالدول الكبرى لا تربط استراتيجياتها طويلة المدى بالشعارات السياسية وحدها، وإنما بالموانئ وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة والمعادن والتكنولوجيا، وهي كلها عناصر حضرت بوضوح في الرسالة الأمريكية.
ويبرز ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره أهم تجسيد لهذا التحول. فهذا المشروع، الذي يقام على بعد نحو أربعين كيلومترا شمال مدينة الداخلة، باستثمار يناهز 12.6 مليار درهم، لن يكون مجرد ميناء تجاري جديد، بل منصة لوجستيكية متكاملة بطاقة استيعابية مرتقبة تصل إلى 35 مليون طن سنويا، ومنطقة صناعية ولوجستيكية تمتد على حوالي 1600 هكتار، إضافة إلى قطب فلاحي يعتمد على مياه التحلية على مساحة تناهز 5200 هكتار. وتنبع أهميته من كونه الحلقة الأساسية في المبادرة الأطلسية، إذ يرتقب أن يشكل المنفذ البحري الرئيسي لصادرات وواردات دول الساحل، وهو ما يمنح الأقاليم الجنوبية وظيفة اقتصادية تتجاوز بعدها الوطني لتصبح جزءا من إعادة تشكيل طرق التجارة الإقليمية.
وبموازاة ذلك، تشهد الأقاليم الجنوبية دينامية متسارعة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من الإمكانات الطبيعية التي توفرها المنطقة في مجالي الرياح والطاقة الشمسية. وقد تعزز هذا التوجه بإنجاز مشاريع إنتاج الكهرباء النظيفة، وربطها بمشاريع تحلية مياه البحر، بما يرسخ نموذجا تنمويا يجمع بين الأمن المائي والأمن الطاقي. وفي هذا السياق، يمثل مشروع إنتاج الأمونيا والهيدروجين الأخضر، الذي يقوده تحالف ORNX، خطوة نوعية، ليس فقط لأنه أول استثمار أمريكي مباشر بهذا الحجم في القطاع الصناعي بالأقاليم الجنوبية، وإنما لأنه يضع المنطقة ضمن خريطة الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي العالمي، وهو ما يفسر حضور هذا القطاع بوضوح في برقية ترامب.
أما المعادن، فتظل بدورها جزءا من المشهد الاقتصادي، وإن كانت محاطة بقدر كبير من الجدل. فبينما تشير المعطيات المغربية إلى أن إنتاج منجم بوكراع يمثل جزءا محدودا من الثروة الوطنية للفوسفاط، تواصل جبهة البوليساريو الترويج لأرقام مختلفة ولمؤشرات تتعلق بوجود النفط والغاز والمعادن النادرة. غير أن عددا من التقارير المتخصصة يعتبر أن معظم هذه الادعاءات لم تتحول بعد إلى مشاريع استغلال اقتصادي مؤكدة. ومع ذلك، فإن مجرد إدراج المعادن النادرة ضمن القطاعات التي أشارت إليها برقية ترامب يكشف أن الاهتمام الأمريكي لم يعد يقتصر على دعم موقف سياسي، بل أصبح يشمل الموارد الاستراتيجية التي ستحدد موازين الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن الرؤية المغربية الأوسع تجاه إفريقيا. فالمبادرة الأطلسية ليست مجرد مشروع لوجستي، بل تصور جيو-اقتصادي يهدف إلى إعادة ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية، وهو ما يمنح الأقاليم الجنوبية دورا محوريا في شبكات التجارة والطاقة والاستثمار داخل القارة. ومن هذا المنظور، تبدو الصحراء اليوم نقطة التقاء بين الاستراتيجية المغربية والانخراط الأمريكي، في سياق دولي يتزايد فيه التنافس على الممرات التجارية والموارد الحيوية، دون أن يكون ذلك هو الموضوع الرئيسي للمقال، وإنما أحد أبعاده.
وإذا كانت أغلب القراءات قد انشغلت بما قالته برقية ترامب، فإن الدلالة الأهم ربما تكمن فيما سبقها من وقائع على الأرض. فالاتفاقيات الاستثمارية، ومشاريع الطاقة، وميناء الداخلة الأطلسي، والمبادرة الأطلسية، كلها تؤشر إلى أن الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة تقاس فيها موازين القوة بحجم المشاريع أكثر مما تقاس بعدد البيانات الدبلوماسية. فإن ما تغير اليوم هو أن الواقع الاقتصادي بدأ يفرض إيقاعه الخاص، وبات يتشكل بوتيرة أسرع من مسار التسوية السياسية. ولذلك، فإن أي تصور مستقبلي لهذا الملف لن يكون أمام خرائط دبلوماسية فقط، بل أمام موانئ قيد التشغيل، واستثمارات بمليارات الدولارات، وشراكات دولية تتوسع عاما بعد آخر. وهنا تكمن الدلالة الحقيقية لبرقية ترامب؛ فهي لم تعلن ولادة مرحلة جديدة بقدر ما أعلنت أن هذه المرحلة بدأت بالفعل.





















