باحدة عبد الرزاق
في الثلاثين من يوليوز الماضي، كانت سبتة تعيش على وقع ضغط جديد للمهاجرين غير النظاميين، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين المغرب وإسبانيا. مهاجرون يحاولون الوصول إلى الضفة الأوروبية، ودولة تستنفر أجهزتها لمنعهم، وحدود تتحول في كل مرة إلى عنوان لأزمة سياسية وأمنية وإنسانية.
لكن الصورة تتغير تماما عندما نعبر الحدود إلى داخل الاقتصاد الإسباني. ففي الوقت الذي تشدد فيه مدريد مراقبتها للحدود، تقول الحكومة الإسبانية نفسها إن الهجرة أصبحت ضرورة اقتصادية وديموغرافية. رئيس الحكومة بيدرو سانشيز حذر من أن توقف الهجرة سيكلف الاقتصاد الإسباني نحو 19 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2050، وترتفع الخسارة إلى 22 في المائة بحلول 2075. والأرقام الرسمية تؤكد أن العمال الأجانب أصبحوا مكونا أساسيا في سوق الشغل، إذ تجاوز عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون منخرط في الضمان الاجتماعي.
هنا تكمن المفارقة الإسبانية. المهاجر غير النظامي مشكلة عندما يصل إلى الحدود، لكنه يتحول إلى رصيد عندما يدخل سوق العمل.
فبمجرد تسوية الوضع القانوني، ينتقل المهاجر من الاقتصاد غير المهيكل إلى الاقتصاد الرسمي، ويصبح عاملا مسجلا، يؤدي الاشتراكات، يدفع الضرائب، يستهلك، ويساهم في تمويل نظام اجتماعي يواجه تحديا ديموغرافيا ضخما بسبب الشيخوخة وانخفاض الولادات.
والدليل أن العمال الأجانب باتوا يحتلون مواقع أساسية في قطاعات تعاني نقصا في اليد العاملة، من الفلاحة والبناء إلى السياحة والرعاية المنزلية والنقل. بل إن الحكومة الإسبانية نفسها قدمت عملية التسوية الاستثنائية باعتبارها وسيلة لإدماج قوة بشرية في قطاعات تحتاج إليها البلاد.
أما القاصرون غير المصحوبين، فتطرح حالتهم مفارقة أكثر تعقيدا. فالدولة تنفق على رعايتهم وتعليمهم وتكوينهم، لكنها في النهاية تعمل على إدماجهم في المجتمع وسوق العمل. ولذلك فإن النقاش الجدي لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: كم تكلف الدولة رعاية المهاجر؟ بل أيضا: ماذا يصبح هذا المهاجر عندما يتحول إلى عامل منتج؟
المسألة إذن ليست أن إسبانيا “تريد الهجرة غير النظامية”، فهذا استنتاج لا تثبته المعطيات. المسألة أكثر واقعية: إسبانيا لا تريد الدخول غير النظامي، لكنها تحتاج إلى الهجرة.
وهذه ليست مفارقة إسبانية فقط، بل معضلة أوروبية كاملة. أوروبا تريد تشديد حدودها، لكنها في الوقت نفسه تعاني الشيخوخة ونقص اليد العاملة وتحتاج إلى ملايين العمال الجدد للحفاظ على قطاعاتها الاقتصادية وأنظمة الرعاية والتقاعد.
لذلك، فإن المشهد الذي نراه في سبتة لا يمثل سوى نصف القصة. النصف الآخر يبدأ عندما يغادر المهاجر الحدود، يدخل المدرسة، يتعلم اللغة، يحصل على تكوين، يدخل سوق العمل، ويبدأ في دفع الضرائب والاشتراكات.
هناك، تحديدا، يتحول المهاجر من مشكلة حدودية إلى مورد اقتصادي. وهنا ربما تكمن الحقيقة التي لا تحب أوروبا كثيرا قولها بصوت مرتفع: الهجرة التي تحاول ضبطها عند الحدود، هي نفسها الهجرة التي تحتاج إلى جزء منها داخل اقتصادها.





















