في كل أزمة، هناك طرف يرفع مطالبه، وطرف يدافع عن قراراته. لكن في أزمة المحامين يوجد طرف ثالث لا يصدر البلاغات، ولا يجلس إلى طاولة التفاوض، ولا يملك حتى حق اختيار توقيت المعركة. إنه المتقاضي؛ المواطن الذي لا حول له ولا قوة، ومع ذلك يؤدي الفاتورة كاملة.
اليوم، هيئات المحامين تصعّد، والمحامون يرفضون العودة إلى المحاكم، والمؤسسات تتمسك بمواقفها، بينما يقف المواطن عاجزاً أمام ملف لا يتحرك، وأجل قانوني لا ينتظر، وحق قد يضيع، وحرية قد تكون على المحك.
لا أحد ينكر على المحاميات والمحامين حقهم في الاحتجاج. فهم نساء ورجال قانون، ومن حقهم الدفاع عن مهنتهم ومصالحهم واستقلاليتها. لكن المحاماة ليست مهنة عادية، وليست مجرد نشاط خاص يمكن لصاحبه أن يعلق خدماته متى شاء. إنها ركن من أركان العدالة، وشريك للدولة في ضمان سير أحد أهم المرافق العمومية.
ولهذا نقول للمحامي بكل وضوح: حين قررت خوض هذه المعركة، لم تغادر مكتباً فارغاً. لقد تركت وراءك ملفات معلقة، وآجالاً قانونية تتحرك، ومواطنين قد تُمس حرياتهم، أو تضيع حقوقهم، أو تتعطل مصالحهم.
فمن يحمي المتقاضي عندما يقرر دفاعه مغادرة المحكمة؟
المتقاضون اليوم رهائن في نزاع لا صوت لهم فيه. أدوا أتعاب الدفاع، وسلموا وثائقهم وملفاتهم، ووضعوا ثقتهم في محاميهم، ثم وجدوا أنفسهم، فجأة، بلا دفاع فعلي.
منهم من ينتظر حكماً قد يغير حياته، ومن يواجه عقوبة سالبة للحرية، ومن تطالب بنفقة لأطفالها، ومن يسعى إلى استرجاع حق أو حماية ملكية أو إنقاذ مقاولة من الإفلاس. فبأي حق يُطلب من هؤلاء أن ينتظروا إلى أجل غير معلوم؟
مهما كانت مطالب المحامين مشروعة، لا يجوز تحويل حقوق المواطنين إلى أوراق ضغط في معركة مهنية. وإذا اختارت الهيئات إغلاق باب المحكمة، فعليها أن تفتح أمام المتقاضين باباً آخر يحمي حقوقهم.
أما إذا عجزت الهيئات والنقابات عن التوفيق بين الاحتجاج وضمان استمرارية الدفاع، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة. ويجب تمكين كل متقاضٍ متضرر من استرجاع ملفه ووثائقه، ومعرفة الوضعية القانونية لقضيته، والاستعانة بمن يحمي مصالحه قبل سقوط الآجال وضياع الحقوق.
وإذا كانت هذه الهيئات تريد تعطيل الدفاع إلى أجل غير محدد، فلتقل ذلك بوضوح، ولتتحمل تبعاته. وإذا لم تعد قادرة على أداء وظيفتها، فلتتنحَّ أو تحل نفسها، وليُفتح نقاش قانوني جدي حول بدائل تتيح للمتقاضين الاستعانة بوكلاء أو ممثلين قانونيين، في القضايا التي يسمح القانون بطبيعتها بذلك. فلا معنى لاحتكار الدفاع وتعطيله في الوقت نفسه.
الحق في الاحتجاج لا يلغي الحق في الدفاع، واستقلال المحاماة لا يعني استقلالها عن مسؤوليتها تجاه المواطنين.
وهناك سؤال آخر تتحاشاه الهيئات: هل تملك الشجاعة لفتح ملفاتها أمام الرأي العام؟
هل تستطيع أن تنشر، مع احترام سرية المعطيات والملفات، عدد الشكايات المقدمة ضد المحامين، وطبيعتها، والمدة التي استغرقتها معالجتها، ومآلاتها؟ كم شكاية حُفظت؟ وكم ملفاً وصل إلى المجالس التأديبية؟ وكم متقاضياً ظل شهوراً أو سنوات ينتظر مجرد جواب؟
لا يمكن لهيئات المحامين أن تطالب الدولة والمؤسسات بالشفافية والمحاسبة، ثم تعتبر ما يجري داخلها شأناً مغلقاً ومحرماً على النقاش. استقلال المهنة لا يعني إعفاءها من المساءلة، وحماية المحامي لا يجوز أن تتحول إلى حماية لأي تقصير قد يمس حقوق موكله.
المحاماة مهنة حرة، نعم، لكنها ليست مهنة خارج الرقابة. ولها حصانة مهنية ومعنوية، لكن هذه الحصانة لا ينبغي أن تصبح جداراً تختفي خلفه الشكايات، أو تتعطل بسببه المساطر، أو يشعر معه المتقاضي بأن خصمه لم يعد محامياً واحداً، بل هيئة كاملة.
المؤسف أن ما يجري اليوم ليس نقاشاً حقيقياً حول مستقبل المهنة، أو ضمانات الدفاع، أو إصلاح العدالة. هناك تصعيد، لكن في مواجهته واقع قانوني يلزم الجميع: المحامين والحكومة والمؤسسات. فالقانون لا يتوقف حين يبدأ الاحتجاج، والآجال لا تُعلّق ببلاغ، وحقوق المتقاضين لا يجوز أن تصبح رهينة شد الحبل بين الأطراف.
المحامي، قبل غيره، يفترض أن يدرك أن المعارك المهنية تُخاض تحت سقف القانون، لا على حساب من لجؤوا إليه طلباً للحماية والإنصاف. كما يفترض أن يكون أول من يكرس الترافع بالقانون، مع مراعاة جميع الحقوق وفي مقدمتها حق المواطن في الدفاع.
لذلك، يجب أن تعود العدالة إلى العمل، وأن تُحمى حقوق المواطنين، وأن يُفتح نقاش صريح وجدي حول علاقة المحامي بموكله، وحكامة الهيئات، وشفافية المساطر التأديبية، وضمان استمرارية الدفاع خلال الاحتجاجات.
لأن أخطر ما يمكن أن يقع للعدالة ليس أن يختلف المحامون مع الحكومة، بل أن يصل المواطن إلى المحكمة في اللحظة التي يحتاج فيها إلى القانون، فيجد باب المحكمة مفتوحاً… وباب الدفاع مغلقاً.





















