نجيبة جلال
في حوار حصري مع مجلة LEX MAG، سينشر كاملا في عددها المقبل، يكشف فوزي لقجع عن ملامح تحول عميق في النموذج الاستثماري المغربي: بعد سنوات رفعت فيها الدولة بشكل كبير من حجم استثماراتها لتمويل البنيات التحتية والماء والطاقة والنقل والصحة والأوراش الاستراتيجية، ينتقل الرهان اليوم إلى مرحلة أخرى، عنوانها **تغيير حجم الاستثمار الخاص، وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والمقاولة.
وجاءت إجابة لقجع ردا على سؤال لـLEX MAG حول قدرة الدولة على الاستمرار في تحمل الحجم الكبير للاستثمارات التي يعبئها المغرب، وحول اللحظة التي يتعين فيها على القطاع الخاص، الوطني والدولي، أن يلعب دوراً أكبر في تمويل التحول الاقتصادي للمملكة.
جواب لقجع كان واضحا: الدولة لا يفترض أن تحل بصورة دائمة محل المستثمر الخاص. وظيفتها الأساسية هي إنشاء البنيات التحتية، وتوفير شروط التنافسية، وتقليص المخاطر، حتى يتمكن الرأسمال الخاص من الاستثمار على نطاق أوسع.
والأرقام التي كشف عنها تعطي فكرة عن حجم المجهود الذي تحملته الدولة خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع الاستثمار العمومي بنسبة 86,8 في المائة بين 2020 و2025، فيما يصل الغلاف الإجمالي المخصص له في قانون المالية لسنة 2026 إلى 380 مليار درهم.
لكن وراء هذه الأرقام توجد فلسفة اقتصادية مختلفة.
فالاستثمار في الماء والطاقة والنقل والصحة والتجهيزات الكبرى، بحسب لقجع، لا يستهدف فقط إنجاز المشاريع، وإنما تأمين عوامل الإنتاج، وخفض الكلفة اللوجستية، وتحسين الربط بين المجالات، وتعزيز جاذبية المغرب أمام المستثمرين.
بمعنى آخر، الدولة لا تستثمر لكي تبقى وحدها في الواجهة، بل لكي تخلق الأرضية التي تسمح للاستثمار الخاص بالانطلاق بقوة أكبر.
ومن هنا تأتي المعلومة الأبرز في جواب لقجع: المغرب يستهدف، وفق ما كشفه لـLEX MAG، قلب بنية الاستثمار تدريجيا، عبر رفع حصة القطاع الخاص من نحو الثلث حاليا إلى الثلثين من إجمالي الاستثمار في أفق 2035.
والأهم أن لقجع لا يقدم هذا التحول باعتباره موعدا مؤجلا إلى ما بعد 2030. فالقطاع الخاص، بحسبه، بدأ بالفعل في أخذ موقع أكبر داخل منظومة الاستثمار، لكن المطلوب الآن هو تسريع الحركة و«تغيير الحجم».
وتكشف أرقام أخرى قدمها لقجع أن هذه الدينامية بدأت تأخذ أبعادا مالية كبيرة. فقد تمت المصادقة على أكثر من 300 مشروع من الاتفاقيات وملاحق الاتفاقيات في إطار آليتي الدعم الرئيسية والاستراتيجية لميثاق الاستثمار، تمثل أكثر من 550 مليار درهم من الاستثمارات المتوقعة، وحوالي 200 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.
لكن التحدي المقبل يتجاوز ميثاق الاستثمار وحده.
المغرب مقبل على احتياجات ضخمة في الماء والطاقة والبنيات التحتية واللوجستيك والانتقال الطاقي. وهنا يقول لقجع بوضوح إن الدولة لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تمول بمفردها كل الاستثمارات المطلوبة.
المعادلة التي يطرحها تقوم على تركيز المال العام حيث تكون الدولة ضرورية: البنيات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الكبير، استثمارات السيادة والمشاريع الاستراتيجية. وفي المقابل، كلما توفر مشروع على نموذج اقتصادي قادر على جذب التمويل، يصبح استدعاء الرأسمال الخاص جزءا من الحل.
وهنا تأخذ إجابة لقجع بعدها الحقيقي.
فما يتغير ليس فقط مصدر تمويل الاستثمار، وإنما وظيفة الدولة داخل الاقتصاد.
لقجع لا يتحدث عن انسحاب الدولة، بل عن انتقالها إلى موقع آخر: من دولة تتحمل أساسا مهمة التمويل والإنجاز، إلى دولة تحدد الاتجاه، وتحمي الخيارات الاستراتيجية، وتبني البنيات، وتخفض المخاطر، ثم تستخدم الاستثمار العمومي لجذب أضعافه من الاستثمار الخاص.
وهو ما يلخصه في معادلة واضحة: الانتقال تدريجيا من دولة «ممولة ومنجزة» إلى دولة «استراتيجية، منظمة ومحفزة للاستثمار».
هذه الرؤية تضع، في المقابل، مسؤولية أكبر على عاتق القطاع الخاص المغربي.
فإذا كانت الدولة قد رفعت حجم استثماراتها، وبنت الموانئ والطرق والبنيات اللوجستية، واستثمرت في الماء والطاقة والصحة، ووفرت آليات دعم جديدة للاستثمار، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا ستفعل الدولة أكثر؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا سيفعل القطاع الخاص بكل ما بنته الدولة؟
هل يستطيع تحويل هذه البنيات إلى مصانع؟ هل تستطيع المقاولات المغربية أن تكبر؟ هل يمكن للرأسمال الوطني أن يتحمل جزءا أكبر من تمويل النمو؟ وهل يستطيع الاستثمار الخاص أن يحول الجاذبية التي راكمها المغرب إلى إنتاج وصادرات وفرص شغل وقيمة مضافة؟
هنا بالضبط تكمن المعادلة الاقتصادية الجديدة التي يكشف عنها لقجع.
الدولة مطالبة بمواصلة بناء شروط القوة الاقتصادية، لكن القطاع الخاص أصبح أمام امتحان آخر: أن يغير الحجم.
وهي واحدة من القضايا التي يفصل فيها فوزي لقجع ضمن الحوار الحصري الذي ستنشره LEX MAG كاملا في عددها المقبل.




















