نجيبة جلال/
قد يكون الحزب الذي سيتصدر انتخابات 23 شتنبر على موعد مع مفارقة غير مألوفة: أن ينال شرف تشكيل الحكومة المقبلة، من دون أن يضمن لها عمرًا طويلًا. فالحكومة التي ستخرج من صناديق الاقتراع قد لا تأتي لإكمال ولاية سياسية عادية، وإنما لتهيئة المملكة لعبور تاريخي؛ وقد تكون، لهذا السبب، أقصر الحكومات عمرًا، لكنها واحدة من أكثرها أهمية.
الحزب الذي سيتصدر الانتخابات سيحصل، بطبيعة الحال، على شرف قيادة الحكومة وتشكيل أغلبيتها. لكنه قد يكتشف سريعًا أن الولاية التي انتُخب من أجلها ليست هي الولاية التي سيعيشها فعلًا؛ لأن عقارب الساعة الحزبية قد تتحرك لخمس سنوات، بينما ساعة الدولة أصبحت مضبوطة على موعد آخر، أكثر حساسية وأبعد أثرًا.
ذلك الموعد هو الحسم المنتظر في قضية الصحراء المغربية.
لقد قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلًا سياسيًا واقعيًا وذا مصداقية. وإذا تحرك المسار الدولي خلال السنوات المقبلة نحو تسوية نهائية على أساس هذه المبادرة، فإن المملكة ستنتقل من مرحلة الدفاع عن المقترح إلى مرحلة تنزيله، ومن معركة الإقناع في العواصم الدولية إلى ورشة البناء داخل المؤسسات الوطنية.
وهنا تبدأ الأسئلة الكبرى.
كيف ستُحدد اختصاصات مؤسسات الحكم الذاتي؟ وما طبيعة علاقتها بالحكومة المركزية؟ وكيف ستُنظم التمثيلية السياسية والموارد والسلطات وآليات الرقابة؟ ثم هل تكفي القواعد الدستورية القائمة لاستيعاب التحول، أم أن المرحلة ستفرض إصلاحًا دستوريًا جديدًا يفتح للمملكة أبواب هندسة مؤسساتية مختلفة؟
هذه الأسئلة ليست من نوع الأسئلة التي تجيب عنها حكومة بأغلبيتها وحدها، ولا حزب مهما كان عدد مقاعده. إنها أسئلة دولة، وفي لحظات الدولة تتراجع الحسابات الحزبية إلى الصفوف الخلفية.
هناك أيضًا عامل الزمن. فولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنتهي في 20 يناير 2029، وقد يكون من مصلحة المغرب وحلفائه أن يتحقق تقدم حاسم في الملف قبل هذا التاريخ، بالنظر إلى الموقف الأمريكي الداعم لمغربية الصحراء. وإذا تسارعت التطورات خلال العامين المقبلين، فإن الحكومة المنبثقة عن الانتخابات قد تجد نفسها أمام واقع سياسي ودستوري جديد لم يكن مكتوبًا بالكامل في برامج الأحزاب.
وعندها، قد لا يكون غريبًا أن تنتهي مهمة الحكومة بعد سنة أو سنتين، ليس لأنها فشلت، ولكن لأن المرحلة التي جاءت لإدارتها تكون قد انتهت، ولأن مرحلة أخرى أصبحت تحتاج إلى حكومة أخرى، بتركيبة أخرى، وتوازنات أخرى، وربما بشرعية دستورية وسياسية متجددة.
وقد تظهر الحاجة حينها إلى حكومة وطنية موسعة، حكومة تستوعب القوى السياسية القادرة على المساهمة في تنزيل الحكم الذاتي، وتفتح المجال أمام تمثيلية منسجمة مع الوضع الجديد للأقاليم الجنوبية، وتضع المصلحة العليا للمملكة فوق منطق الأغلبية والمعارضة.
بذلك، لن تكون الحكومة المقبلة حكومة ولاية كاملة بقدر ما قد تكون حكومة عبور: تُمهّد الطريق، وتُعد الأرضية، وتضبط إيقاع الانتقال من مغرب دافع طويلًا عن وحدته الترابية إلى مغرب يضع التفاصيل المؤسساتية لانتصاره موضع التنفيذ.
و هذا هو الدرس الذي يجب أن يكون واضحًا أمام جميع الأحزاب: لا ينبغي أن تدخل المرحلة المقبلة بعقلية اقتسام المناصب، وإنما بوعي المشاركة في صناعة لحظة تاريخية. وقد يكون مطلوبًا من حزب فاز أن يتنازل، ومن حزب عارض أن يشارك، ومن زعيم اعتقد أنه وصل إلى نهاية الطريق أن يدرك أنه لم يكن سوى جزء من بدايته.
إن هندسة المملكة أكبر من هندسة التحالفات، ووحدة التراب أسبق من توزيع الحقائب، ومستقبل الدولة أهم من مستقبل أي زعيم أو حزب.
قد تمنح صناديق الاقتراع حزبًا حق تشكيل الحكومة، لكن التاريخ قد يمنحه مهمة مختلفة: أن يؤسس لمرحلة لا يملك وحده حق احتكارها. وحين تتحرك الدولة نحو منعطف كبير، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيحكم؟ وإنما: من سيكون في مستوى اللحظة؟
فالحكومات تمر، والأغلبيات تتغير، والطموحات الشخصية تنتهي عند أول تعديل في ميزان القوى. أما المملكة فتبقى، وتعيد بناء هندستها كلما استدعى التاريخ ذلك.




















