أصدر محاميا مهدي حيجاوي بلاغا نفيا فيه بشكل صريح أن يكون موكلهما قد سرب أي معطيات صادرة عن أجهزة الاستخبارات المغربية إلى مجموعة «جبروت»، كما نفيا وجود أي اتصال بينه وبين صحيفة «ABC» الإسبانية أو الصحفية Ketty Garat، صاحبة المقال الذي أثار الجدل.
ويفرض هذا التطور إعادة ترتيب النقاش حول الرواية التي قدمتها الصحيفة الإسبانية، دون أن يعني، في المقابل، أن البلاغ الصادر عن دفاع حيجاوي يشكل في حد ذاته دليلا على براءته من مختلف القضايا والوقائع المنسوبة إليه. فالرجل ما زال محاطا بملفات ثقيلة، من بينها قضايا مالية ذات طبيعة خطيرة وامتدادات عابرة للحدود، فضلا عن وقائع وتسريبات سابقة أثيرت بشأن طريقة اشتغاله وعلاقاته وتحركاته.
كما أن البلاغ لم يتضمن، بحسب المعطيات الواردة فيه، توضيحا بشأن الاتهامات التي سبق لحيجاوي أن وجهها أخيرا عبر الصحافة الفرنسية إلى المغرب ومؤسساته، ولا بشأن ما ظهر في تسجيلات سابقة قيل إنها توثق تنسيقا مع هشام جيراندو وتحريضا على حملات ضد المؤسسة الأمنية المغربية، انطلاقا من معطيات تبين لاحقا، وفق ما ورد في الملف، أنها غير صحيحة. ومن ثم، فإن التعامل مع بلاغ المحامين باعتباره شهادة براءة شاملة أو حكما نهائيا على مجمل هذه الملفات سيكون تجاوزا لما يسمح به مضمونه.
غير أن أهمية البلاغ تكمن تحديدا في الجهة التي يوجه إليها النفي: صحيفة «ABC» والصحفية Ketty Garat. فالصحيفة الإسبانية، في مقال نشرته يوم 7 شتنبر، لم تكتف بالإشارة إلى اسم حيجاوي في سياق قضية «جبروت»، وإنما قدمته باعتباره الشخص الذي يقف وراء تسريب بيانات تخص 70 ألفا و381 شخصا، قدموا في المقال على أنهم عناصر في أجهزة الاستخبارات المغربية.
وفي المقابل، يخرج الدفاع القانوني لحيجاوي لينفي أن يكون موكله قد سلم تلك المعطيات إلى مجموعة «جبروت»، والأهم من ذلك أنه ينفي وجود أي اتصال أصلا بينه وبين الصحيفة الإسبانية أو الصحفية التي نشرت المقال.
وهنا تبرز إشكالية مهنية وقانونية تستحق التوضيح من جانب «ABC»: ما الأساس الذي استندت إليه الصحيفة في إسناد هذه الوقائع إلى حيجاوي؟
فإذا كانت الصحفية Ketty Garat تتوفر على معطيات مستقلة وموثوقة تثبت ما أوردته، فإن من حق الرأي العام، ومن واجب الصحافة المهنية في القضايا ذات الطبيعة الحساسة، أن يعرف طبيعة الأساس الذي بني عليه هذا الإسناد، خصوصا بعدما نفى الطرف الذي وضعه المقال في قلب الرواية وجود أي اتصال بينه وبين الصحيفة من الأصل.
ولا يتوقف الأمر عند قضية «جبروت»، إذ إن رواية أخرى، أشد خطورة من حيث طبيعة الاتهام، وردت في السياق نفسه وتتعلق بملف «بيغاسوس». فقد نسبت «ABC» إلى حيجاوي أنه الشخص الذي اخترق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وأنه يعرف مضمون 2.6 جيغابايت من البيانات التي قيل إنها استخرجت من الهاتف. وهنا يبرز سؤال مشروع آخر: هل يؤكد حيجاوي هذه الرواية أم ينفيها؟ ولماذا لم يتناول دفاعه هذا الاتهام بالوضوح نفسه الذي تناول به ما نسب إليه في ملف «جبروت»؟
وفي الاتجاه المقابل، فإن السؤال نفسه يطرح على «ABC» وKetty Garat. فإذا كان دفاع حيجاوي ينفي وجود أي اتصال بينه وبين الصحيفة، فعلى أي أساس انتقلت الرواية المنشورة من الحديث عن معرفة حيجاوي بملف «بيغاسوس» إلى تقديمه باعتباره الشخص الذي نفذ اختراق هاتف سانشيز؟ وما مصدر المعلومات التي تحدثت عن امتلاكه محتوى الهاتف ومعرفته بما تم استخراجه منه؟
إن الأمر هنا لا يتعلق بمجرد اختلاف في التوصيف أو الصياغة الصحافية، وإنما باتهام بالغ الخطورة، يفترض، مهنيا وقانونيا، أن يستند إلى عناصر إثبات ذات طبيعة تقنية أو قضائية واضحة، وليس فقط إلى مصادر مجهولة لا يمكن للقارئ التحقق منها.
وفي المقابل، فإن نفي محامي حيجاوي لا يحسم بمفرده حقيقة علاقته بمجموعة «جبروت»، تماما كما أن عدم تطرق البلاغ إلى ملف «بيغاسوس» لا يمكن اعتباره دليلا على صحة الرواية التي نشرتها الصحيفة الإسبانية. فالدفاع القانوني يؤدي وظيفته في تمثيل مصالح موكله، بينما يبقى إثبات الوقائع المتنازع بشأنها مسألة تخضع للأدلة والتحقيقات والجهات القضائية المختصة.
لكن البلاغ، في الوقت نفسه، يضع منهجية اشتغال «ABC» تحت المجهر، بعدما انتقلت الصحيفة، وفق ما ورد في مقالها، من معطيات منسوبة إلى مصادر مجهولة إلى تقديم استنتاجات بصيغة تقريرية، قبل أن تواجه، بعد فترة وجيزة، نفيا علنيا صادرا عن الدفاع القانوني للشخص الذي جعلته محور جانب أساسي من روايتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما إذا كانت «ABC» وKetty Garat ستتمسكان بالروايتين المتعلقتين بـ«جبروت» و«بيغاسوس»، وستقدمان للرأي العام ما يكفي من العناصر التي تستند إليها الاتهامات الواردة في المقال، أم أن الأمر سيتطور إلى مواجهة إعلامية وقانونية مفتوحة بين حيجاوي ودفاعه من جهة، والصحيفة الإسبانية والجهات التي زودتها بالمعلومات من جهة أخرى.
كما يبقى منتظرا أن يوضح حيجاوي ودفاعه موقفهما بشكل صريح من الرواية المتعلقة بهاتف بيدرو سانشيز، بالنظر إلى خطورة الاتهام وطبيعته التقنية، خصوصا أن البلاغ الأخير ركز على نفي علاقته بتسريب بيانات «جبروت» وعلى نفي التواصل مع «ABC»، من دون أن يقدم، بحسب المعطيات المتاحة، موقفا مماثلا من الادعاءات المتعلقة بـ«بيغاسوس».
وبذلك، فإن بلاغ الدفاع لا يجعل حيجاوي، تلقائيا، أكثر موثوقية ولا يحسم الملفات والاتهامات الأخرى المرتبطة باسمه، لكنه في المقابل يرفع سقف الأسئلة الموجهة إلى «ABC» وKetty Garat بشأن الأساس الذي قامت عليه الرواية المنشورة.
والسؤال لم يعد واحدا، بل أصبح اثنين: من أين جاءت رواية إسناد تسريب معطيات «جبروت» إلى مهدي حيجاوي؟ وأين تكمن الأدلة التي تبرر الرواية الأخطر المتعلقة بدوره المزعوم في اختراق هاتف بيدرو سانشيز؟




















