ريما لبلايلي
مع اقتراب 2030 هل تتحمل علاقة الرباط ومدريد أزمة هجرة عابرة؟ ما يمكن أن نستشفه من واشنطن ومكسيكو
الهجرة ليست استثناءً مغربياً-إسبانياً، بل واحدة من كبرى الظواهر التي تعيد تشكيل ملامح العالم المعاصر. فوفق أحدث تقديرات الأمم المتحدة، بلغ عدد المهاجرين الدوليين في العالم نحو 304 ملايين شخص في 2024، أي ما يقارب ضعف عددهم قبل ثلاثة عقود فقط. ويضاف إلى هذا الرقم 117.3 مليون نازح قسراً حول العالم حتى منتصف 2025، فيما أودت طرق الهجرة، النظامية منها وغير النظامية، بحياة أكثر من 7,600 شخص أو تسببت في فقدانهم خلال 2025 وحدها.
هذه الأرقام لا تصف أزمة عابرة، بل واقعاً بنيوياً يواجه كل الدول تقريباً، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية مروراً بالخليج وجنوب آسيا، وإن اختلفت حدته من سياق إلى آخر. في هذا السياق العالمي، يصبح من الصعب النظر إلى التوتر الحالي حول سبتة ومليلية باعتباره مجرد قضية حدودية ثنائية. فحساسية الملف لا تلغي حقيقة أن المغرب وإسبانيا أصبحا مرتبطين بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية، وأن أي أزمة في ملف الهجرة يمكن أن تترك انعكاسات تتجاوز بكثير موضوعها الأصلي.
لا يتعلق الأمر بإنكار المخاوف الإسبانية بشأن الهجرة، كما لا يتعلق بمطالبة المغرب بالتنازل عن مواقفه ومصالحه وسيادته التاريخية على أراضيه. المسألة تتعلق بالتمييز بين الخلاف الذي يحتاج إلى تفاوض، والعلاقة التي تحتاج إلى حماية.
لفهم هذه المعادلة، تبدو المقارنة مع تجربة الولايات المتحدة والمكسيك مفيدة بشكل خاص، ليس لأنها مطابقة للحالة المغربية-الإسبانية، بل لأنها تمثل، على الأرجح، أحد أكثر السياقات توتراً في العالم اليوم فيما يخص الهجرة، ومع ذلك لم تنهر فيها العلاقة الثنائية.
فمنذ مطلع 2026، شهدت مدن أمريكية كبرى، وفي مقدمتها مينيابوليس بولاية مينيسوتا، حملة مداهمات واسعة نفذتها عناصر تابعة لوكالة الهجرة والجمارك (ICE). وأدت هذه العمليات إلى تراجع حاد في الحضور المدرسي في بعض أحياء المدينة، واحتجاجات واسعة، وتوتر غير مسبوق بين السلطات المحلية والفدرالية، إلى درجة اتهام شرطة مينيابوليس لعناصر الوكالة بمحاولة تزييف أدلة.
الصور التي خرجت من مينيسوتا خلال تلك الأسابيع لم تكن صوراً هادئة بأي معيار. ومع ذلك، لم تتوقف العلاقة الاقتصادية بين واشنطن ومكسيكو. بلغت تجارة السلع بين البلدين نحو 872.8 مليار دولار في 2025، واقتربت تجارة السلع والخدمات مجتمعة من 964 مليار دولار، فيما استمر التعاون ضمن اتفاقية USMCA رغم الخلافات المستمرة حول الحدود والهجرة والأمن.
والأكثر دلالة أن الدولتين، إلى جانب كندا، نجحتا في التحضير المشترك لاستضافة كأس العالم 2026 وتنظيمها بنجاح، في الوقت الذي كانت فيه أزمة الهجرة على أشدها داخل الولايات المتحدة نفسها.
هذه التجربة لا تعني أن سياسات الهجرة الأمريكية نموذج يُحتذى، ولا أن الاحتقان الذي شهدته مينيسوتا أمر عادي. لكنها تكشف حقيقة مهمة: يمكن لدولتين أن تختلفا بشدة، حتى في أكثر لحظات التوتر إنسانياً وسياسياً، وأن تستمرا في الوقت نفسه في إدارة مصالحهما المشتركة في الاقتصاد والتجارة والتنظيم المشترك لأكبر حدث رياضي في العالم.
وهنا تصبح المقارنة مع المغرب وإسبانيا أكثر أهمية. فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد جوار جغرافي تفصله حدود بحرية. إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، وقد بلغت المبادلات التجارية بينهما رقماً قياسياً بلغ 22.693 مليار يورو سنة 2024، بزيادة تتجاوز 7 في المائة عن العام السابق.
وتُصدر أكثر من 6,000 شركة إسبانية بانتظام إلى السوق المغربية، بينما تملك أكثر من 900 شركة إسبانية فروعاً أو مساهمات مهمة داخل المغرب، الذي يمثل الوجهة الأولى للاستثمار الإسباني في القارة الأفريقية.
هذه الأرقام تعكس اندماجاً فعلياً في سلاسل الإنتاج والاستثمار، خصوصاً في قطاعات السيارات والطاقة والبنية التحتية والنقل، إلى جانب شبكة بشرية كثيفة تشمل الجالية المغربية في إسبانيا، والحركة اليومية للأشخاص، والروابط العائلية والاجتماعية التي تجعل الحدود بين البلدين مختلفة تماماً عن حدود تربط دولتين لا تجمعهما سوى العلاقات الدبلوماسية.
لقد بُني الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة على فكرة الترابط: الشركات تستثمر خارج حدودها، وسلاسل الإنتاج تمتد عبر دول مختلفة، والسلع ورؤوس الأموال والخدمات تعبر الحدود بحرية متزايدة. لكن عندما يتعلق الأمر بحركة البشر، نعود فجأة إلى منطق الحدود الصلبة.
ومن الطبيعي أن تكون للدول سيادة على حدودها وأن تحدد شروط الدخول والإقامة وأن تواجه الهجرة غير النظامية، ولا تناقض في ذلك مع استمرار التعاون الاقتصادي. لكن المشكلة تظهر حين تُعامَل الهجرة كظاهرة منفصلة تماماً عن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت أصلاً هذا المستوى من الترابط بين الدول.
وهذا لا يعني أن الحل هو فتح الحدود، بل يعني أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى تعاون مع دول الجوار أكثر مما تحتاج إلى خصومة معها. فالتعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية لا يقتصر على مراقبة الحدود، بل يشمل تفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتبادل المعلومات والتنسيق الأمني وإنقاذ الأرواح، وكل هذه الملفات تحتاج إلى علاقة مستقرة وقنوات تواصل مفتوحة.
وقد أظهر التعاون المغربي-الإسباني في هذا المجال، خلال السنوات الأخيرة، نتائج ملموسة تؤكدها الحكومة الإسبانية نفسها عند حديثها عن تراجع الهجرة غير النظامية وتعزيز مسارات الهجرة النظامية بين البلدين.
سبتة ومليلية تظلان قضيتين شديدتي الحساسية، ولا يمكن تجاهل أبعادهما التاريخية والسياسية. لكن وجود خلاف حولهما لا يعني تعليق بقية العلاقة. يمكن أن يستمر الخلاف السياسي في بعض الملفات، بينما تستمر التجارة والاستثمارات والتنسيق الأمني.
ويمكن أن تكون هناك مواقف مختلفة بشأن الهجرة، مع استمرار التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر. وهذا بالضبط ما يجعل التجربة الأمريكية-المكسيكية مثالاً ذا قيمة: استمرار التعاون لا يعني أن الدولتين تجاوزتا خلافاتهما، بل يعني أنهما تعلمتا أن تفصلا بين الخلاف والمصلحة المشتركة.
والمغرب وإسبانيا لديهما سبب إضافي لتبني هذا المنطق، يتمثل في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال، وهو استحقاق أكدت الحكومة الإسبانية نفسها أنه فرصة لتعميق العلاقات بين البلدين بما يتجاوز البعد الرياضي.
القطيعة قد تبدو أحياناً أداة ضغط فعالة على المدى القصير، لكنها في علاقة بهذا المستوى من الترابط تخلق كلفة على الطرفين، بما في ذلك على قطاعات لا علاقة مباشرة لها بالهجرة. والمفارقة أن القطيعة قد تُضعف أيضاً القدرة على معالجة الهجرة نفسها، لأن إدارة هذا الملف بالذات تحتاج إلى تعاون مستمر بين دول تجمعها حدود وحركة بشرية وشبكات اقتصادية متداخلة.
فالمغرب سيظل جاراً لإسبانيا، وإسبانيا ستظل أقرب بوابة للمغرب نحو أوروبا، وستستمر المصالح التجارية والاستثمارية والروابط الإنسانية بينهما. يمكن أن تتغير الحكومات وتتبدل السياسات وتمر العلاقات بفترات من التوتر، لكن هذه الحقائق الأساسية لن تتغير.
ولذلك، فإن المصلحة المشتركة لا تكمن في إنكار الخلاف، بل في احتوائه ومنع امتداده إلى مجالات لا يرتبط بها مباشرة. والتحدي الحقيقي أمام البلدين ليس أن يتفقا في كل شيء، فهذا غير واقعي، بل أن يطورا قدرة سياسية ومؤسساتية على إدارة الاختلاف من دون تدمير الاعتماد المتبادل الذي يجعل التعاون بينهما ضرورة لكليهما.



















