ما جرى مع عبد الحق الصنايبي بعد تعيينه متحدثا باسم الوداد الرياضي ثم التراجع عن التعيين، لا يختصر في خلاف حول شخص أو منصب داخل ناد رياضي. ما كشفه هذا الجدل هو مشكلة أعمق: كيف تحولت مواقف سياسية معلنة إلى معيار للحكم على وطنية أصحابها؟ الصنايبي يدافع عن التطبيع مع إسرائيل، ويضع الوحدة الترابية للمملكة في مقدمة القضايا الوطنية، فصار في نظر خصومه بسبب ذلك صهيونيا وعدوا للقضية الفلسطينية. وهذه قفزة سياسية لا تستقيم.
دفاع الصنايبي عن التطبيع يحتاج إلى قراءة موقفه كما هو، لا كما يريد خصومه أن يكون. فهو لا يقدم التطبيع باعتباره انتماء إلى المشروع الصهيوني، وإنما كخيار سياسي ودبلوماسي يرى أنه يخدم المصالح المغربية. المغرب نفسه أقام علاقات رسمية مع إسرائيل ضمن حسابات مرتبطة بمصالح الدولة وملفات استراتيجية، وفي مقدمتها القضية الوطنية. يمكن رفض هذا الخيار، وانتقاده، ومناقشة كلفته السياسية والأخلاقية، لكن لا يمكن تحويل مجرد تأييده إلى دليل تلقائي على اعتناق الصهيونية.
ثم إن الدفاع عن التطبيع لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية. هذه نقطة يجري إسقاطها عمدا في كثير من النقاشات. يمكن لشخص أن يؤيد العلاقات المغربية الإسرائيلية، وأن يرى فيها مصلحة للمغرب، وفي الوقت نفسه يدين قتل المدنيين الفلسطينيين وجرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة في غزة كما تفعل الخارجية المغربية في كل مناسبة. بل إن للصنايبي نفسه مواقف وخرجات إعلامية تحدث فيها عن الجرائم الإسرائيلية. لذلك فإن تقديمه باعتباره مجرد شخص “يدافع عن إسرائيل” يتجاهل عمدا جزءا من مواقفه المعلنة.
أما موقفه من الوحدة الترابية للمملكة، فهو أكثر وضوحا من حيث منطلقاته الوطنية. الحديث هنا لا يتعلق بالصحراء المغربية وحدها، وإنما بالوحدة الترابية للمملكة بكل مكوناتها، بما فيها سبتة ومليلية والجزر المحتلة. ومن الطبيعي أن يرى مغربي أن قضية سيادة بلاده ووحدة ترابها يجب أن تكون في صدارة الأولويات الوطنية. قد يختلف معه آخرون في ترتيب القضايا، لكن الاختلاف في سلم الأولويات لا يحول صاحبه إلى خصم لفلسطين.
القضية الفلسطينية قضية عادلة، والتعاطف معها لا يحتاج إلى أن يكون على حساب القضايا الوطنية المغربية. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المغربي بأن يضع قضية خارج حدوده فوق قضية تتعلق مباشرة بسيادة بلاده ووحدة ترابها، ثم اعتبار اختياره لهذا الترتيب نوعا من الخيانة. الوطنية ليست مسابقة في ترتيب التعاطف، والقضايا لا تصبح متعارضة لمجرد أن شخصا اختار أن يضع إحداها في المرتبة الأولى.
الخلط الأكبر في هذه القضية هو تحويل الأولويات السياسية إلى مواقف عدائية. فمن يقول إن الوحدة الترابية للمملكة أولا لا يقول بالضرورة إنه ضد فلسطين، كما أن من يؤيد التطبيع لا يصبح تلقائيا صهيونيا. المطلوب هو مناقشة لماذا اختار هذا الموقف، وما الحجج التي يستند إليها، وما الذي يمكن أن يحققه للمغرب، لا إطلاق توصيفات تختصر الرجل في كلمة واحدة.
ومن حق جماهير الوداد أن ترفض أي شخصية لا تنسجم مواقفها مع قناعاتها، ومن حق النادي أن يعيد النظر في اختياراته. لكن انتقال الخلاف من رفض التعيين إلى محاكمة الموقف السياسي يكشف مشكلة في طبيعة النقاش نفسه. فالمجال الرياضي لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لإقصاء أشخاص من المجال العام بسبب مواقف سياسية معلنة، خصوصا عندما يكون الخلاف حول قضايا تحتمل أكثر من قراءة سياسية.















