تتجه كازاخستان إلى إنشاء مخزون استراتيجي كبير من الحبوب في أحد الموانئ المغربية، في خطوة تتجاوز تزويد السوق الوطنية بالقمح لتفتح أمام هذا البلد غير الساحلي منفذا جديدا نحو الأسواق الإفريقية عبر البنية التحتية المينائية واللوجستية للمغرب.
وكشف سفير المغرب لدى كازاخستان عن المشروع في مقابلة نشرتها صحيفة «The Astana Times» أمس الاثنين 14 شتنبر، موضحا أن اتفاقا أبرم قبل عامين ينص على إنشاء مخزون واسع من الحبوب داخل المغرب تديره كازاخستان.
وبحسب السفير، يقضي المشروع بنقل كميات أكبر من القمح الكازاخي إلى المملكة وتخزينها في أحد الموانئ، قبل إعادة توزيعها نحو أسواق إفريقية مختلفة، غير أنه لم يتم إلى حدود الآن الكشف عن الميناء الذي سيحتضن المخزون، ولا عن طاقته التخزينية أو الجدول الزمني المرتقب لدخول المشروع حيز التنفيذ.
ويأتي هذا الرهان في سياق استئناف صادرات القمح الكازاخي إلى المغرب، بعد انقطاع دام 17 عاما. ووفق المعطيات التي قدمها السفير، وصلت شحنتان من القمح إلى المملكة خلال سنة 2025، بوزن يقارب 30 ألف طن لكل شحنة، فيما يرتقب أن ترتفع الكميات بشكل كبير خلال السنة الجارية.
وتسعى كازاخستان من خلال تعزيز صادراتها إلى الاستفادة من السوق المغربية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية حاجياتها من الحبوب، في ظل منافسة قوية من كبار المصدرين العالميين، وفي مقدمتهم فرنسا وروسيا وكندا.
غير أن الرهان الكازاخي يتجاوز السوق المغربية، بالنظر إلى الإشكال الجغرافي الذي تواجهه كازاخستان باعتبارها دولة غير مطلة على البحر. فتصدير الحبوب يتطلب نقلها عبر السكك الحديدية إلى موانئ في دول أخرى قبل شحنها بحرا، وهو ما يزيد من التعقيدات والتكاليف اللوجستية.
ومن شأن إنشاء مخزون للحبوب في المغرب أن يوفر لكازاخستان منصة لتجميع الشحنات القادمة من آسيا الوسطى على الواجهة الأطلسية، ثم إعادة توزيعها نحو عدد من الأسواق الإفريقية، بما يمنح صادراتها مسارا أكثر مرونة نحو القارة.
وبذلك، يمكن للمغرب أن يتحول إلى حلقة لوجستية تربط الإنتاج الزراعي الكازاخي بالأسواق الإفريقية، مستفيدا من موقع المملكة وشبكة موانئها وبنياتها التحتية للنقل والتوزيع.
ويأتي المشروع ضمن دينامية متنامية في العلاقات الاقتصادية بين الرباط وأستانا، بعدما بلغت المبادلات التجارية بين البلدين نحو 461.5 مليون دولار خلال سنة 2025، بارتفاع نسبته 68 في المائة على أساس سنوي.
واستحوذت الصادرات الكازاخية على الجزء الأكبر من هذه المبادلات، بقيمة بلغت حوالي 434 مليون دولار، مقابل نحو 27.5 مليون دولار من السلع المغربية الموجهة إلى كازاخستان.
وبالتوازي مع ذلك، يعمل البلدان على تعزيز الإطار المؤسساتي للعلاقات الاقتصادية، من خلال إحداث مجلس أعمال مغربي-كازاخي، فيما قام نحو 30 رجل أعمال كازاخيا مؤخرا بزيارة إلى المملكة، على أن تتوجه بعثة مغربية إلى أستانا قبل نهاية السنة لمواصلة بحث فرص التعاون والاستثمار.
وبالنسبة إلى كازاخستان، لا يتعلق الأمر بمجرد زيادة مبيعات القمح في السوق المغربية، وإنما بمحاولة بناء مسار تصديري أكثر استدامة نحو إفريقيا، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للمغرب وقدراته المينائية واللوجستية.
أما بالنسبة إلى المغرب، فيعكس المشروع تنامي دوره كمنصة للتخزين والعبور والتوزيع نحو الأسواق الإفريقية، ويمنح الشراكة مع كازاخستان بعدا جديدا يتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو تعاون يقوم على اللوجستيك والتخزين وإعادة التصدير.
وفي حال تنفيذ المشروع، قد يتحول المغرب بالنسبة إلى كازاخستان إلى بوابة أطلسية للحبوب نحو إفريقيا، بما يضيف بعدا استراتيجيا إلى العلاقات بين البلدين ويفتح المجال أمام مسارات جديدة للتجارة والاستثمار.




















