ام هاشم/
قالت صناديق 23 شتنبر كلمتها، لكنها لم تقل الكلمة الأخيرة في السياسة. منحت الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، وأعطت التجمع الوطني للأحرار 66 مقعداً، وحزب الاستقلال 65. وبين الرقم الأول وعتبة الأغلبية، المحددة في 198 مقعداً، مساحة لا تملؤها الحسابات وحدها. هناك سؤال الشركاء، وسؤال البرنامج، وقبل ذلك سؤال المعنى: ماذا أراد الناخب أن يتغير؟
على الورق، يبدو الجواب سهلاً. الأصالة والمعاصرة مع الأحرار والاستقلال يملكون 228 مقعداً؛ أغلبية مريحة من ثلاثة أحزاب تعرف بعضها بعضاً، وعملت معاً خلال الولاية السابقة. لكن السياسة تبدأ أحياناً حيث تنتهي عملية الجمع. فقد رافق تلك الأغلبية من الجدل ما يجعل إعادة تركيبها، مع تبديل الحزب الذي يقودها، محتاجة إلى تفسير أمام الرأي العام. سيكون من حق المواطن أن يسأل: إذا بقي الشركاء أنفسهم، فأين يظهر أثر الاقتراع في طريقة الحكم؟
هنا يصبح الأحرار مفتاح التوقع. دخولهم الحكومة يفتح أقصر طريق إلى الأغلبية. وخروجهم منها يفتح طريقاً آخر أمام الأصالة والمعاصرة، من صِيَغه التحالف مع الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، بمجموع 217 مقعداً. ذلك تحالف ممكن بالأرقام، لكن عليه أن يثبت قدرته على الاتفاق في القرارات الصعبة، لا في لحظة توزيع الحقائب فقط.
وقد تكون المعارضة، بالنسبة إلى الأحرار، بداية عمل سياسي جديد. فالحزب الذي قاد الحكومة خمس سنوات يعرف الملفات من داخلها: يعرف أين وصلت المشاريع، وأين تعثرت، وما الذي التزمت به الدولة أمام المواطنين. هذه المعرفة قادرة على أن تمنحه أدوات رقابة قوية، بشرط أن يستعملها بوضوح ومسؤولية. لن يكون مقنعاً أن يتبرأ من حصيلته بالأمس ليعارضها اليوم؛ وسيكون أكثر إقناعاً إذا دافع عما تحقق، وأقر بما لم يتحقق، وقدم بديلاً لما يراه خطأ في اختيارات الحكومة المقبلة. عندئذ يمكن للمعارضة أن تساعده على بناء صورة أخرى، واستعادة المبادرة قبل الانتخابات المحلية المرتقبة سنة 2027.
وعلى الضفة الأخرى، يلوح العدالة والتنمية، العائد بـ 54 مقعداً، متجهاً إلى المعارضة وفق موقف أمينه العام، في انتظار أن تحسم مؤسسات الحزب قرارها. ومن يعرف هذا الحزب يعرف أن المعارضة بالنسبة إليه ليست مقعداً في آخر القاعة. إنه يجيد تحويل السؤال البرلماني إلى قضية في الشارع، والقضية الاجتماعية إلى عنوان سياسي، والعنوان السياسي إلى تعبئة تنظيمية. وإذا استقر في المعارضة، فستجد الحكومة المقبلة أمامها خصماً يراقب الوعود ويتتبع كلفة القرارات وأثرها في حياة الناس.
وستكون سنة 2027 حاضرة في هذا المشهد منذ يومه الأول. فالعدالة والتنمية قد يرى في المعارضة طريقاً لاستعادة قوته في الجماعات والجهات. والأحرار، إن اختاروها، قد يرون فيها فرصة لترميم ما أضعفته كلفة الحكم. أما أحزاب الأغلبية المقبلة، فستعرف أن الناخبين سيعودون سريعاً إلى الصناديق للحكم على بدايتها. لذلك لن تكون المفاوضات الجارية حول من يدخل الحكومة وحدها؛ إنها أيضاً مفاوضات حول المواقع التي ستنطلق منها الأحزاب إلى الاستحقاق التالي.
تبقى، مع ذلك، حلقة لا يجوز القفز عليها. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. والشخصية التي سيقع عليها الاختيار من الأصالة والمعاصرة لن تتسلم مهمة حساب المقاعد فحسب؛ ستقع عليها مهمة جمع ما فرّقته المنافسة الانتخابية، وصياغة اتفاق حكومي يمكن الدفاع عنه أمام البرلمان والناس.
لهذا، فالأحرار مفتاح التوقع، لكن الاسم الذي سيختاره الملك لرئاسة الحكومة سيكون مفتاح التفاوض. وبين المفتاحين سيتحدد إن كانت البلاد مقبلة على استمرار التحالف السابق بقيادة جديدة، أم على أغلبية مختلفة ومعارضة أكثر شراسة. وفي الحالتين، لن تنتظر السياسة نهاية الولاية لتختبر الجميع؛ موعدها الأول سيكون في 2027.




















