اختار المعرض الدولي للكتاب والقراءة بمدينة موريليا المكسيكية المغرب ضيف شرف دورته الخامسة، في حضور ثقافي يتجاوز عرض الكتاب المغربي ليقدم صورة متعددة الأبعاد عن المملكة، ويكرس الثقافة باعتبارها إحدى أدوات التقارب بين المغرب والمكسيك والانفتاح على الفضاء الأمريكي اللاتيني.
وتقام الدورة الخامسة للمعرض من 25 شتنبر إلى 4 أكتوبر 2026 في ساحة «بلازا دي أرماس» بقلب موريليا، عاصمة ولاية ميتشواكان، بمشاركة سفارة المملكة المغربية في المكسيك.
وقد افتتحت التظاهرة بحضور رئيس بلدية موريليا ألفونسو مارتينيز ألكاثار وسفير المغرب لدى المكسيك عبد الفتاح اللبار، إلى جانب شخصيات ثقافية وأكاديمية وممثلين عن قطاع النشر.
ولا تبدو صفة «ضيف الشرف» في هذه الدورة مجرد حضور بروتوكولي، إذ امتد أثر المشاركة المغربية إلى هوية المعرض نفسه، فقد حملت فضاءاته الرئيسية أسماء «مراكش» و«أركان» و«الزعفران»، فيما خُصص للمغرب جناح داخل فضاء المعرض، ضمن برنامج يتجاوز 200 نشاط ويضم 130 نقطة عرض، وسط توقعات باستقطاب نحو 170 ألف زائر.
البرنامج المغربي صُمم ليقدم المملكة من زوايا مختلفة، فلا يحضر المغرب من خلال الكتاب والأدب فقط، وإنما من خلال الموسيقى والرقص واللغة والحكاية والمطبخ، فضلا عن النقاش الأكاديمي حول موقع المملكة الاقتصادي والجيوسياسي.
ومن أبرز فقرات البرنامج لقاء حول الأدبين المغربي والمكسيكي تحت عنوان «نحو أزرق مستحيل: الأدب المغربي والمكسيكي»، ولقاء آخر بعنوان «أبواب مفتوحة بين المكسيك والمغرب»، إلى جانب عروض للرقص الشعبي المغربي «الشعبي»، وأنشطة موجهة للأطفال للتعريف بالحكايات المغربية.
كما برمج المعرض ورشة لافتة حول الكلمات ذات الأصل العربي الموجودة في اللغة الإسبانية، تحت عنوان «من الوسائد والقطن والسكر: العربية التي نتحدث بها»، وهي زاوية تكشف عن جزء من الإرث اللغوي والحضاري المشترك الذي وصل إلى أمريكا اللاتينية عبر اللغة والثقافة الإسبانيتين.
وإلى جانب البعد الثقافي، حضرت صورة المغرب باعتباره منصة اقتصادية ولوجستية تربط بين القارات، من خلال محاضرة للأكاديمي حسن وابوش حول «المغرب والتجارة العالمية: منصة لوجستية تربط إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا وأوقيانوسيا». كما احتضن البرنامج لقاء آخر حول «التعاون بين المغرب وأمريكا اللاتينية».
تكتسي المشاركة أهمية خاصة لأنها تندرج في سياق حضور ثقافي مغربي يتوسع تدريجيا داخل المكسيك، ووفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام عن السفير المغربي عبد الفتاح اللبار، سبق للمغرب أن كان سنة 2023 أول بلد ضيف على مهرجان الكتاب والورد المرتبط بالجامعة الوطنية المستقلة للمكسيك في ميتشواكان، قبل أن تتواصل مشاركاته في تظاهرات ثقافية أخرى بالبلاد.
ويعطي ذلك لمشاركة موريليا بعدا يتجاوز حدثا ثقافيا معزولا، ليضعها ضمن مسار لبناء حضور مغربي أكثر انتظاما في المجال الثقافي المكسيكي.
وقال سفير المملكة إن مشاركة المغرب تشكل فرصة «لبناء الجسور عبر الثقافة والأدب»، فيما اعتبر رئيس بلدية موريليا أن المعرض يوفر جسرا ثقافيا بين المكسيك والمغرب.
ويكتسب اختيار موريليا بدوره دلالة خاصة، فالمدينة ذات مركز تاريخي مصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو، وهو ما أشار إليه السفير المغربي خلال افتتاح المعرض، معتبرا احتضانها للمغرب كضيف شرف ذا رمزية ثقافية مميزة، بعيدا عن الصورة التقليدية للمعارض التي تكتفي بعرض الإصدارات، تكشف برمجة موريليا عن تصور أوسع للدبلوماسية الثقافية: تعريف الجمهور ببلد من خلال أدبه وفنونه ولغته ومطبخه وتاريخه، ثم الانتقال من الثقافة إلى الحوار الأكاديمي والاقتصادي.
ومن هنا يمكن قراءة الحضور المغربي باعتباره نافذة إضافية على فضاء أمريكا اللاتينية، فالمغرب يقدم نفسه في موريليا ليس فقط باعتباره بلدا ذا تراث عريق، وإنما أيضا كبلد إفريقي ومتوسطي منفتح على العالم، يمتلك موقعا جغرافيا واقتصاديا يسمح له بلعب دور حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا وبقية القارات.
وبالنسبة للجمهور المكسيكي، توفر هذه الدورة فرصة لاكتشاف المغرب بعيدا عن الصور السياحية المختزلة، من خلال الكتاب والفكر والفن والحوار المباشر.
أما بالنسبة للمغرب، فإن موريليا تؤكد أن الدبلوماسية الثقافية تستطيع أن تفتح مساحات للتواصل لا توفرها دائما القنوات السياسية والاقتصادية التقليدية.
فالكتاب هنا ليس مجرد عنوان على رف معرض، بل سفير آخر للمغرب، وحين ترافقه الموسيقى واللغة والفكر والفنون، تتحول الثقافة إلى جسر قادر على تقليص المسافات بين الرباط ومكسيكو، وبين المغرب وفضاء أمريكي لاتيني واسع ما تزال أمام العلاقات معه إمكانات كبيرة للتطور.




















