متابعة
تدخل الروبوتات تدريجيا إلى مختلف فروع الصناعة المغربية، بعدما ظل استخدامها لفترة طويلة مرتبطا أساسا بالمصانع الكبرى، ولا سيما في قطاع صناعة السيارات. وأصبحت تقنيات الأتمتة حاضرة في عمليات اللحام والتركيب والمناولة ومراقبة الجودة والتصنيع والتغليف واللوجستيك الداخلي، بما يفتح المجال أمام تحسين الإنتاجية ودقة العمليات.
ويأتي هذا التحول في وقت تواصل فيه الصناعة المغربية توسيع قاعدة إنتاجها واستثماراتها. ووفقا للمعطيات الواردة في النص، بلغ رقم المعاملات الصناعي 898 مليار درهم خلال سنة 2024، بارتفاع نسبته 9 في المائة، فيما وصلت قيمة الإنتاج إلى 842 مليار درهم، بزيادة بلغت 12 في المائة.
كما ارتفعت الاستثمارات الصناعية بنسبة 30 في المائة لتصل إلى 90 مليار درهم، بينما تجاوز عدد مناصب الشغل في القطاع مليون منصب، بعدما بلغ 1.038.133 وظيفة.
وتجعل هذه الدينامية من رفع الإنتاجية إحدى الأولويات الرئيسية للمرحلة المقبلة، خصوصا بالنسبة إلى الشركات التي تتعامل مع الأسواق الأوروبية أو تزود قطاعات السيارات والطيران. ولم تعد المنافسة مرتبطة بالسعر فقط، بل أصبحت تشمل أيضا الجودة والآجال وإمكانية تتبع المنتجات والمرونة والقدرة على الاستجابة السريعة لتغيرات الطلب.
وفي هذا السياق، يمكن للأتمتة أن تؤثر على مختلف هذه العناصر، من خلال تحسين انتظام عمليات الإنتاج وتقليص هامش الخطأ ورفع القدرة على المحافظة على وتيرة إنتاج مستقرة.
السيارات في مقدمة مسار الأتمتة
يعد قطاع صناعة السيارات من أبرز المجالات التي يظهر فيها استخدام الروبوتات داخل الصناعة المغربية، بالنظر إلى حجم الإنتاج واتساع سلسلة القيمة التي تشمل المصنعين والموردين وشركات صناعة الأسلاك والبلاستيك والمعادن والإلكترونيات والمكونات الميكانيكية.
وتستخدم الروبوتات خصوصا في العمليات التي تتطلب دقة عالية وتكرارا مستمرا. ففي عمليات اللحام، تساعد الأنظمة الروبوتية على الحفاظ على استقرار المعايير، بينما تتيح في عمليات التركيب تنفيذ تسلسلات دقيقة بوتيرة منتظمة.
كما يمكن توظيف الروبوتات في المناولة ونقل الأجزاء والمواد الثقيلة أو القيام بالمهام المتكررة، بما يسمح للعاملين بالتركيز على عمليات تتطلب المراقبة والتدخل البشري.
وفي هذا الإطار، تستخدم وحدة BENTELER بمدينة القنيطرة، التي افتتحت سنة 2026، أنظمة لحام روبوتية وتقنية الليزر ثلاثي الأبعاد وحلولا مختلفة ضمن مفهوم الصناعة 4.0. وتنتج الوحدة، من بين منتجات أخرى، الصدمات والمحاور وقضبان الحماية وأذرع التعليق، وتشغل أكثر من 300 شخص.
ولا تقتصر الأتمتة على تنفيذ العمليات الصناعية، بل تمتد أيضا إلى مراقبة الجودة من خلال أنظمة الرؤية الاصطناعية، حيث يمكن للكاميرات والخوارزميات فحص القطع بسرعة والكشف عن العيوب وتسجيل نتائج عمليات المراقبة.
ويؤدي الجمع بين الروبوتات وأجهزة الاستشعار والبيانات والذكاء الاصطناعي إلى تطوير مصانع أكثر اتصالا وقدرة على رصد الأداء والتفاعل بسرعة مع الاختلالات.
الأتمتة تمتد إلى قطاعات أخرى
تشهد صناعة الطيران بدورها تطورا في استخدام التقنيات المرتبطة بالأتمتة، في ظل توسع الأنشطة المرتبطة بالتصنيع الدقيق والتركيب والمواد المركبة والأسلاك والمعدات الجوية.
غير أن اعتماد الروبوتات في هذا القطاع يظل مرتبطا بمتطلبات صارمة في ما يتعلق بالجودة والمطابقة وإمكانية تتبع العمليات.
ويمكن تطبيق المنطق نفسه في الصناعات الغذائية، خصوصا في عمليات الفرز والتغليف والتوضيب وترتيب المنتجات ومراقبة الجودة، فيما تتيح الأتمتة في قطاعات البلاستيك والمعادن استخدام الروبوتات في عمليات الحقن والمناولة واللحام والتصنيع.
كما يمكن أن تستفيد الصناعات الدوائية من هذه التقنيات لتعزيز الدقة وإمكانية التتبع واحترام معايير المطابقة.
وبالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، يبقى عامل التكلفة من أبرز التحديات أمام اعتماد الأتمتة. لذلك، قد يكون التركيز على العمليات التي تتسبب في أكبر قدر من الخسائر، مثل الأعطاب المتكررة وعيوب الجودة وعمليات المناولة المفرطة وأوقات الانتظار والمهام المتكررة، مدخلا أكثر واقعية نحو الاستثمار في الروبوتات.
ولا ينبغي أن يقتصر احتساب تكلفة الأتمتة على سعر اقتناء الروبوت، بل يشمل أيضا مكاسب الإنتاجية وتقليص المنتجات المعيبة وتراجع فترات التوقف وتحسين شروط السلامة والقدرة على رفع الإنتاج باستخدام التجهيزات نفسها.
الروبوتات تعيد تشكيل المهارات
ويطرح توسع استخدام الروبوتات في المصانع أيضا سؤالا حول مستقبل الوظائف الصناعية، خصوصا في ظل تشغيل القطاع لأكثر من مليون شخص.
ولا يعني إدخال الروبوتات بالضرورة الاستغناء عن الوظائف بشكل مباشر، إذ قد تحل الآلة في العديد من الحالات محل عملية محددة بدلا من أن تحل محل مهنة كاملة. وفي هذه الحالة، يصبح العامل مطالبا بتعلم كيفية برمجة المعدات أو مراقبتها أو ضبطها أو صيانتها.
وبذلك ينتقل الطلب تدريجيا نحو مهارات جديدة، من بينها الأتمتة والكهروميكانيك والروبوتات وهندسة العمليات والصيانة وتحليل البيانات الصناعية.
ويبرز هنا دور التكوين المهني في مواكبة التحول التكنولوجي، من خلال إعداد تقنيين قادرين على تشخيص الأعطاب في الخلايا الروبوتية وإعادة برمجة الآلات وتحليل بيانات الإنتاج وتأمين الأنظمة الآلية.
كما يمكن لتوسع الأتمتة أن يساهم في ظهور سوق جديدة لخدمات الإدماج الصناعي، تشمل دراسة العمليات وتركيب المعدات وبرمجتها وربطها بالأنظمة القائمة والصيانة والتكوين والأمن السيبراني.
وقد يتيح ذلك أمام الشركات المغربية المتخصصة في الأتمتة فرصا جديدة، خصوصا لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي لا تتوفر دائما على خبرات داخلية في هذا المجال.
نحو مصنع أكثر ذكاء
ويطرح توسع الأتمتة كذلك مسألة الاستقلالية التكنولوجية، إذ تصبح المصانع الأكثر اعتمادا على الروبوتات مرتبطة بدرجة أكبر بالبرمجيات وأنظمة التحكم والمكونات الإلكترونية.
ومن ثم، فإن تطوير الخبرات المحلية في مجال إدماج هذه التقنيات وصيانتها يمكن أن يساهم في تقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز القدرات الصناعية الوطنية.
كما قد تدعم الروبوتات جاذبية المغرب للاستثمارات الصناعية، من خلال مساعدة المصانع على الاستجابة لمعايير الجودة والتتبع المعتمدة دوليا والاندماج في سلاسل القيمة الأكثر تطلبا.
ومع توسع قطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات والبطاريات، تزداد أهمية هذه المتطلبات، ما يجعل الأتمتة أحد العناصر التي يمكن أن ترافق المرحلة المقبلة من تطور الصناعة المغربية.
وبذلك، لا يتعلق التحدي بالنسبة إلى المصنعين بمجرد اعتماد الروبوتات، وإنما بتحديد العمليات التي تحتاج إلى الأتمتة، والوتيرة المناسبة للاستثمار فيها، والمهارات الضرورية لمواكبتها.
ومع توفر المغرب على قاعدة صناعية آخذة في التوسع، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بشكل متزايد برفع الإنتاجية، حيث لن يكون الروبوت سوى جزء من منظومة أوسع تجمع بين الأتمتة والذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات البشرية والهندسة الصناعية.




















