أثار انتباهي موقف فاطمة الزهراء المنصوري بشأن اختيار أعضاء الحكومة المقبلة: تقديم الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية على حساب منطق الترضيات وتوزيع الحقائب. وهو توجه يستحق التنويه، لأن المصلحة العليا للوطن تقتضي أن يكون السؤال الأول: من يصلح لهذه المهمة؟ ومن يستطيع أن يقدم فيها إضافة فعلية؟
ومن هذا المنطلق، أجد من المفيد فتح نقاش حول نخب الأحزاب القادرة على تحمل المسؤولية الحكومية. لا أكتب لأقترح أحداً على رئيسة الحكومة، ولا لأزكي اسماً أو أدافع عن استوزاره. أتحدث عن بروفايلات عرفت بعضها عن قرب، وأتاحت لي المتابعة الصحفية التعرف على مهارات بعضها الآخر، في التدبير والتفاوض والتواصل وفهم المؤسسات.
هذه قراءة صحفية تحتمل الاختلاف، تنطلق من الغيرة على النخب الوطنية ومن الرغبة في إنصافها. فداخل الأحزاب كفاءات تستحق أن تُناقش مساراتها بجدية، وأن تُقيّم حصيلتها بموضوعية. وسأبدأ بالبام، ثم الأحرار والاستقلال، قبل الانتقال إلى الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
البام: خبرات مالية وعلمية وسياسية
في الأصالة والمعاصرة، يحضر فوزي لقجع بخبرته في الميزانية والمالية العمومية. وهو بروفايل يعرف أن كل التزام حكومي يحتاج إلى تمويل، وأن ترتيب الأولويات جزء أساسي من نجاح أي برنامج. لذلك أرى أن خبرته يمكن أن تكون مفيدة في ضبط العلاقة بين الطموح السياسي والإمكان المالي.
ويحمل عز الدين الميداوي تجربة أكاديمية وإدارية في التعليم العالي. أما أمل الفلاح السغروشني، فتملك معرفة بمجال الانتقال الرقمي والذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة. وهما مجالان يحتاج المغرب فيهما إلى كفاءات متخصصة وإلى استمرارية في العمل، حتى تتحول الجامعة والرقمنة إلى أدوات فعلية للتنمية.
أما عبد اللطيف وهبي، فله تجربة سياسية وحكومية في العدل تستحق التقييم بعيداً عن الانطباعات وحدها. و سمير كودار يجمع بين العمل التنظيمي وتدبير جهة مراكش آسفي، بما يتيحه ذلك من معرفة بالمشاريع والشراكات وإكراهات التنفيذ. ويحضر يونس السكوري*بخبرته في التشغيل والتكوين والحوار الاجتماعي، وهي ملفات تحتاج إلى التفاوض بقدر ما تحتاج إلى قرار
الأحرار: كفاءات اقتصادية وخبرة مؤسساتية
في التجمع الوطني للأحرار، يبرز كريم زيدان بمساره المهني وتجربته في الاستثمار. وأرى فيه بروفايلاً يمكن أن يساهم في تقريب القرار العمومي من حاجات المستثمر، وتحويل الفرص الاقتصادية إلى مشاريع منتجة. وتبقى نادية فتاح من الأسماء التي راكمت معرفة مباشرة بتدبير المالية العمومية والتوازن بين الموارد والالتزامات.
ويحمل مصطفى بايتاس تجربة في العلاقات مع البرلمان والتواصل الحكومي. وهذه مهارات تحتاج إليها أي حكومة تريد شرح قراراتها والحفاظ على الحوار مع النواب. أما محمد أوجار، فله رصيد في العدل وحقوق الإنسان، بينما راكم محمد شوكي تجربة في قيادة الفريق النيابي والعمل الحزبي ومناقشة الخيارات المالية.
الاستقلال: تجربة في القطاعات المنتجة والتنمية
في حزب الاستقلال، يحضر نزار بركة بخبرته الحكومية والسياسية وتجربته في التجهيز والماء. ويبرز رياض مزور بمعرفته بقطاع الصناعة والتجارة، و عبد الصمد قيوح بتجربته في النقل واللوجستيك، وعمر حجيرة باشتغاله على التجارة الخارجية.
هذه قطاعات مترابطة في خدمة الاقتصاد الوطني: الصناعة تحتاج إلى النقل، والتصدير يحتاج إلى اللوجستيك، والتنمية تحتاج إلى البنيات الأساسية والماء. ومن هنا، فإن تقييم هذه البروفايلات ينبغي أن ينطلق من قدرتها على العمل المشترك وتحقيق نتائج ملموسة، إلى جانب حصيلة كل واحد منها.
الحركة الشعبية: التواصل والتفاوض والسلم الاجتماعي
في الحركة الشعبية، يحتفظ محمد الأعرج بتجربة حكومية في الثقافة والاتصال تستحق أن تُقرأ بموضوعية. أما محمد أوزين، فأراه رجل تحديات، يجمع بين التجربة الحكومية والبرلمانية والقدرة على مخاطبة الناس بلغة واضحة.
في تقديري، يستطيع أوزين أن يتفاوض في ملفات شائكة، وأن يشرح المواقف لمختلف الفئات. وقد يكون، من هذه الزاوية، «بنكيران الأغلبية»: في قوة الحضور الخطابي والوصول إلى الجمهور. والأغلبية تحتاج إلى شخصية تستطيع شرح اختياراتها، ومواجهة الأسئلة الصعبة، والحفاظ على صلة مباشرة بالمواطنين.
ويستحق هشام رحيل بدوره الانتباه. فهو عضو بالمكتب السياسي للحركة الشعبية، وشغل رئاسة ديوان خالد آيت الطالب بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية. وقد ارتبطت تجربته، وفق تغطيات تعيينه، بالمساهمة في معالجة مشكلات وتوترات نقابية داخل القطاع.
أراه بروفايلاً يستحق التقييم من زاوية التفاوض والسلم الاجتماعي. فهناك كفاءات تظهر قيمتها حين تحتد المطالب وتتباعد المواقف، وتصبح الحاجة ملحة إلى من ينصت ويقرب وجهات النظر ويبني اتفاقاً قابلاً للتنفيذ. وهذه مهارة تحتاج إليها الحكومة في قطاعات عديدة.
الاتحاد الاشتراكي: الاقتصاد والمعرفة والحكامة
في الاتحاد الاشتراكي، يبرز أحمد رضا الشامي بخبرته في الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة. وهو مسار يمنحه معرفة بالاقتصاد المنتج وبالعلاقة بين السياسات العمومية والمقاولة. ويحضر طارق المالكي ببروفايل اقتصادي وأكاديمي وتدبيري، من خلال تجربته في المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات.
أما كمال الهشومي، فيحمل خبرة جامعية واشتغالاً على الإصلاحات السياسية والمؤسساتية. وأرى أن هذا النوع من البروفايلات يمكن أن يفيد في المسؤوليات المرتبطة بالحكامة وإصلاح الإدارة، حين تقترن المعرفة بالقدرة على التدبير واتخاذ القرار.
التقدم والاشتراكية: الخبرة السياسية والثقافية والبرلمانية
في التقدم والاشتراكية، يبقى نبيل بنعبد الله رجلاً سياسياً يستحق الإنصاف، رغم الكثير مما قيل حوله، ورغم ما يمكن توجيهه إليه من نقد. فقد راكم تجربة في العمل الحكومي والتحالفات، وأرى فيه معرفة بالتوازنات وقدرة على التفاوض. وهذه صفات لها أهميتها داخل حكومة تضم شركاء بمطالب ومواقف مختلفة.
ويحمل محمد أمين الصبيحي تجربة في وزارة الثقافة، بينما راكم رشيد حموني خبرة في قيادة الفريق النيابي ومراقبة السياسات والمالية العامة. الأول يستحق التقييم من زاوية رؤيته للثقافة وقدرته على تطوير القطاع، والثاني من زاوية إمكان تحويل التجربة البرلمانية إلى عمل تنفيذي.
هذه الأسماء لا تستنفد كفاءات أحزابها، ولا يشكل ذكرها حكماً بأحقيتها في المناصب. إنها بروفايلات أرى أن مساراتها تستحق النقاش، وأن مهاراتها يمكن أن تكون مفيدة إذا وُضعت في المسؤولية المناسبة.
والاختبار الحقيقي لمبدأ اختيار من يصلح سيظهر في الحكومة التي ستتشكل: في كفاءة أعضائها، وتكامل خبراتهم، وقدرتهم على العمل معاً. فالغيرة على النخب تقتضي إنصافها، كما تقتضي مطالبتها بالنتائج. والمصلحة العليا للوطن تستحق أن نختار للمسؤولية من يستطيع تحمل أعبائها وخدمة المغاربة من خلالها.



















