في السياسة، قد يكون ترتيب اللقاءات رسالة، وقد يكون تغيير ذلك الترتيب رسالة أخرى. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين تنتقل المشاورات من الاستماع إلى المطالب إلى الحسم فيها؛ هناك، تظهر قدرة من يقودها على أن يقول: هذا ممكن، وهذا لا تسمح به مسؤولية الحكم.
تتسارع أخبار المشاورات الحكومية، وتتناسل معها الروايات والتأويلات. وبحسب ما يتداوله بعض من شاركوا فيها، بدأت فاطمة الزهراء المنصوري لقاءاتها بترتيب تنازلي، من الأحرار إلى الاستقلال ثم بقية الأحزاب، قبل أن تعكس الاتجاه في جولة ثانية، فتبدأ بالأقل مقاعد وتصعد نحو الأكبر. وقد رأى بعض محاوريها في ذلك ذكاءً تفاوضياً: تسمع لكل طرف، وتقرأ سقف مطالبه، ثم تعيده إلى وزن الأرقام وحدود الممكن.
وإذا صحت هذه القراءة، فإنها تكشف عن إدراك لطبيعة اللحظة. كل حزب يدخل المشاورات حاملاً حسابه الخاص: عدد مقاعده، وما يعتقد أنه يستحقه، وما يريد أن يقدمه لجمهوره باعتباره ثمرة مشاركته. أما من تتولى تشكيل الحكومة، فعليها أن تجمع هذه الحسابات في مشروع قابل للحكم، وأن تجعل من عبارة «المصلحة العليا للوطن» معياراً للاختيار، لا مجرد افتتاحية مهذبة تسبق توزيع الحقائب.
غير أن الرسالة التي تستحق أن تصل إلى فاطمة الزهراء المنصوري تبدأ من داخل البيت.
فالقدرة على ضبط مطالب الحلفاء تفقد كثيراً من معناها إذا تُرك المقربون يصنعون مطالبهم بوسائل أخرى.
بطريق و أب البطريق !
حين تتوالى المقالات لتقديم اسم بعينه باعتباره وزيراً منتظراً، وتتحول التلميحات إلى ما يشبه الوعود، ويبدأ المحيط العائلي والسياسي في الحديث عن الحقائب كأنها حُسمت، يصبح السؤال ضرورياً: هل نحن أمام نقاش حول الكفاءات، أم أمام محاولة لوضع صاحبة القرار أمام أمر واقع؟
من حق الصحافة أن تحلل وتقترح وتناقش الأسماء. ومن حق الكفاءات أن تكون موضوع تقييم علني. لكن المقال لا يمنح صاحبه سلطة التعيين، وكثرة ترديد اسم لا تمنحه أحقية في وزارة. والأخطر أن يُستعمل القرب من مركز القرار لإضفاء صدقية على وعد لم يصدر، أو لاستباق اختيار لم يُحسم.
لهذا القسوة ضرورة سياسية.
قسوة في إيقاف من يتحدث باسم الرئيسة دون تفويض. وقسوة في ردّ الطامحين إلى قواعد واضحة. وقسوة في إبلاغ الجميع بأن القرابة والصداقة والولاء الشخصي لا تمنح أصحابها امتيازاً في الوصول إلى المسؤولية.
ذلك أن أول اختبار للاستقلال في القرار يقع داخل الدائرة الأقرب. الحليف الذي يجلس إلى طاولة التفاوض يعرض مطلبه باسمه، ويمكن قبوله أو رفضه. أما القريب الذي يتحرك في الظل، ويترك الآخرين يفهمون أنه يعرف ما لا يعرفونه، فإنه يضغط على القرار، ويحمّل الرئيسة تبعات كلام لم تقله.
ولهذا، فإن الحفاظ على المستوى الذي بدأت به المشاورات يقتضي وضوحاً لا يحتمل التأويل: لا محاباة، ولا زبونية، ولا وعود تُوزَّع في الممرات. كل اسم يُطرح يجب أن يُناقش بما يحمله من تجربة وكفاءة وقدرة على تحمل المسؤولية. وكل حقيبة يجب أن تُقرأ من زاوية ما يحتاجه القطاع وما ينتظره المواطن.
ستكون هناك خيبات، وسيغضب بعض المقربين، وربما يعتبر آخرون استبعادهم جحوداً. لكن من تتولى تشكيل حكومة لا تستطيع أن تجعل رضا محيطها شرطاً لصحة قرارها. عليها أن تتحمل كلفة الاختيار، وأن تعرف أن تأجيل الحسم إرضاءً للأشخاص قد يجعل البلاد تدفع ثمنه لاحقاً.
فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة اليوم بأن تحمي معيارها قبل أن تحسم أسماء وزرائها. فإذا كانت المصلحة العليا للوطن هي البوصلة، فإن أول مقتضياتها أن يعرف أهل البيت أن قربهم منها يزيد واجبهم في الانضباط، ولا يزيد حقهم في الحقائب.
من تريد أن تقود الحكومة، عليها أن تُحكم باب بيتها أولاً.




















