أكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن الحكومة تستعد لتقديم ترسانة قانونية جديدة لمحاربة الفساد، مشددا على أن مكافحة الإثراء غير المشروع يجب أن تتم في إطار احترام القانون وقرينة البراءة وضمان حقوق المواطنين، محذرا من تحويل هذا الملف إلى مدخل لممارسات وصفها بـ«الشعبوية».
وقال وهبي، خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، الثلاثاء، إن التصدي للفساد لا يمكن أن يكون على حساب الضمانات القانونية وحقوق الأفراد، رافضا اللجوء إلى إجراءات تؤدي إلى الزج بالمواطنين في السجن لمجرد الاشتباه فيهم أو تحت ذريعة محاربة الفساد.
وشدد وزير العدل على أن مكافحة الإثراء غير المشروع لا تطرح إشكالا من حيث المبدأ، ما دامت تتم وفق إطار قانوني واضح ومساطر مضبوطة تضمن المحاكمة العادلة، مؤكدا رفضه المساس بقرينة البراءة أو مطالبة المواطنين بإثبات براءتهم لمجرد الاشتباه فيهم.
وحذر وهبي من أن تجاوز الضوابط القانونية باسم مكافحة الفساد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، معتبرا أن محاربة الفساد خارج القانون يمكن أن تتحول بدورها إلى مصدر للفساد، وأن حماية المواطنين من الظلم ينبغي أن تظل من المبادئ الأساسية المؤطرة لعمل السلطات المكلفة بإنفاذ القانون.
وفي سياق متصل، تطرق المسؤول الحكومي إلى إشكالية بطء البت في الملفات القضائية، مشيرا إلى أن المحاكم المغربية تتعامل سنويا مع نحو خمسة ملايين ملف، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على مستوى آجال التقاضي ونجاعة المساطر. وأوضح أن تراكم القضايا الأقل تعقيدا قد يؤثر على معالجة الملفات المهمة، مؤكدا أن تجاوز هذا الوضع لا يرتبط بعدد القضايا وحده، بل يستدعي أيضا مراجعة القوانين والمساطر المعمول بها.
وسجل وزير العدل أن بعض التدابير الرامية إلى تسريع البت في القضايا أثارت اعتراضات تتعلق بحقوق الدفاع، خصوصا ما يرتبط بضرورة منح القضاة الوقت الكافي للاطلاع على الملفات، وتمكين المحامين من إعداد مرافعاتهم. وشدد على أن إصلاح العدالة يقتضي تحقيق التوازن بين تسريع البت في النزاعات واحترام حقوق المتقاضين، باعتبار أن التأخير المفرط يفقد العدالة جزءا من فعاليتها، فيما قد يؤدي التسرع في إصدار الأحكام إلى إشكالات قانونية.
ودعا وهبي إلى تعزيز اللجوء إلى الوساطة والتحكيم باعتبارهما آليتين بديلتين لتسوية النزاعات، مع العمل على ترسيخ ثقافتهما لدى المواطنين والمؤسسات، مقترحا اعتماد الوساطة قبل اللجوء إلى المحاكم التجارية، بما يسمح بمحاولة حل الخلافات وديا وتخفيف الضغط عن المحاكم.
كما أثار الوزير تداعيات طول أمد النزاعات التجارية على قيمة المستحقات المالية، موضحا أن صدور حكم قضائي بعد خمس سنوات من المطالبة بمبلغ مالي قد يجعل القيمة الفعلية للمبلغ المحكوم به مختلفة عن قيمته وقت نشوء النزاع، وهو ما يستدعي، بحسبه، مراجعة القوانين والمساطر وتطوير آليات تدبير القضايا.
وفي هذا الإطار، شدد وهبي على أهمية تحديث وسائل التواصل والتبليغ القضائي، داعيا إلى اعتماد التبليغ الإلكتروني وإلزام الشركات بالتوفر على عناوين إلكترونية معتمدة لدى المحاكم، بما يتيح تبليغها بالإجراءات والقرارات القضائية والتحقق من وصول الإشعارات، ويساهم في تحسين فعالية المساطر والحد من التأخير.
وأكد وزير العدل أن تحسين أداء المحاكم لا يمكن أن يتحقق بمعالجة تراكم الملفات فقط، بل يتطلب إصلاحا تشريعيا ومسطريا متكاملا، إلى جانب تحديث وسائل التواصل والتبليغ وتعزيز الآليات البديلة لحل المنازعات.
وتأتي تصريحات وهبي في سياق النقاش حول سبل تعزيز النزاهة ومحاربة الفساد والإثراء غير المشروع، بالتوازي مع مطالب تحسين نجاعة العدالة وتقليص آجال التقاضي، وهي رهانات تضع المشرع أمام ضرورة التوفيق بين فعالية إنفاذ القانون وصون الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.



















