نجيبة جلال
تبدأ مأساة الصحافة حين يصبح السؤال عن صاحب المنبر أهم من السؤال عمّا ينشره: من يعرف؟ من يحميه؟ وكم باباً يستطيع أن يفتحه أو يغلقه؟ عندها تتراجع قيمة المقال، وتتقدم قيمة الوساطة، ويغدو النفوذ معياراً للكفاءة، والخوف وسيلة لانتزاع الاعتراف.
في هذا المناخ ينمو المستبد الإعلامي؛ رجل يريد امتيازات المهنة من دون واجباتها، وهيبة المعرفة من دون مشقة تحصيلها، وسلطة الكلمة من دون مسؤوليتها. يطمح إلى أن يكون مرجعاً، لكنه يضيق بالمراجعة؛ يطالب بحرية التعبير، لكنه لا يحتمل رأياً حراً يصدر ممن يعملون معه.
لماذا يصبح التافه مستبدّاً؟ لأنه يحتاج إلى حماية مكانة يعجز عن الدفاع عنها بالكفاءة.
يعرف، كلما انفضّ عنه المصفقون، أن الظهور أوسع من المضمون، وأن الصورة أكبر مما أنجز. ولذلك يتحول السؤال عنده إلى تهديد، والاختلاف إلى إهانة، واستقلال الآخرين إلى خروج على الطاعة. يريد أن يطمئن إلى تفوقه بإسكات من يستطيعون امتحانه.
لا مبدأ ثابتاً لديه سوى استمرار المنفعة. يرفع شعار الاستقلال حين يريد زيادة ثمن الاقتراب منه، ويستدعي الأخلاق حين يحتاج إلى سلاح في مواجهة خصومه. أما المواقف، فقابلة للتعديل كلما تغيرت الجهة التي تمنح المكافأة. يهدم اليوم ما مجّده بالأمس، ثم ينتظر من الجمهور أن يعتبر تناقضه شجاعة، وانقلابه بصيرة.
والمشكلة في علاقته بالمعرفة تتجاوز شهادة ناقصة أو مساراً دراسياً متعثراً؛ فكم من إنسان علّم نفسه واكتسب احترام الناس بجهده. المشكلة تبدأ حين يصبح نقص التكوين سبباً لاحتقار التعلّم، وحين يعوّض المرء عجزه عن بناء الحجة بإهانة من يملكها.
عندئذ يصبح الصوت المرتفع مؤهلاً، والوقاحة أسلوباً، والقدرة على إيذاء الآخرين علامة مزعومة على القوة. ومع كل نجاح يحققه بهذه الأدوات، يزداد اقتناعاً بأن الاجتهاد مضيعة للوقت، وأن الطريق الأقصر إلى المكانة يمر عبر إخافة الناس.
إنه يعادي المعرفة لأنها تضع مكانته أمام امتحان قدرته.
يضيق بالصحافي الذي يقرأ، وبالمحرر الذي يدقق، وبالزميل الذي يسأل: أين الوثيقة؟ ما المصدر؟ وهل منحنا الطرف الآخر فرصة للرد؟ تبدو له هذه الأسئلة البسيطة تحدياً شخصياً، لأنها تستدعي قواعد يستطيع الجميع الاحتكام إليها، وتحدّ من سلطته على تقرير ما يُنشر وما يُحجب.
وفي غرفة التحرير التي يحكمها، تصبح الطاعة شرطاً للترقي. يُقرَّب من يصفق، ويُستبعد من يناقش، ويُعاقَب من يحتفظ بضميره مستقلاً عن مزاج المسؤول. يتعلم العاملون، مع الوقت، أن سلامتهم تمر عبر الصمت، وأن الخطأ الذي يرضي المدير أقل كلفة من الصواب الذي يزعجه.
هكذا يصنع محيطاً يطمئنه إلى عبقريته: يطرد الاعتراض، ثم يستشهد بالإجماع؛ يُسكت الأكفاء، ثم يشكو غياب الكفاءات؛ ويستنزف جهود الآخرين، ثم يقف وحده أمام الكاميرا ليتلقى التهنئة.
وتخضع علاقاته للمنطق نفسه. يقيس الناس بما يتيحونه من منفعة، ويستثمر القرب ما دام يفتح الأبواب، ويتنكر له حين تنتهي الحاجة. الوفاء عنده حساب مؤقت، والمودة رصيد قابل للاستهلاك. يحمل هذه العقلية إلى المهنة، فيعامل زملاءه أدوات، ومصادره ممتلكات، وقراءه جمهوراً مطلوباً منه التصديق والتصفيق.
أما المال، فيتحول إلى وسيلة لفرض الاعتراف. أرض جديدة، وفيلا أكبر، وصور أكثر بذخاً؛ كأن تراكم الممتلكات يستطيع أن يحسم السؤال عن الاستحقاق. لكن السؤال يبقى: ماذا كتب؟ ماذا أضاف؟ وأي أثر تركه خارج حدود ما اقتناه؟
سند الملكية يثبت امتلاك العقار؛ أما المعرفة والمروءة، فتحتاجان إلى دليل آخر.
تظهر هشاشته خصوصاً أمام من لا يبهرهم ماله ولا تخيفهم علاقاته. تكفي ملاحظة دقيقة من محرر متمكن لتكشف ضعف خطاب طويل، ويكفي سؤال موثق ليوقف استعراضاً كاملاً. لذلك يحاول تصغير أهل المعرفة، وتسفيه اجتهادهم، وإقناع المحيطين به بأن التدقيق عرقلة، والاستقلال قلة وفاء.
يريد عقولاً تعمل باسمه، وأقلاماً تمنحه الوجاهة، وكفاءات تتحمل أعباء المؤسسة؛ على أن تظل جميعها تحت سقف رضاه. وحين يرفض أحدهم هذه المعادلة، يتحول من زميل موهوب إلى خصم، وتصبح الصفات التي كان يُمدح بها أسباباً للطعن فيه.
وفي علاقته بالخارج، تغدو المواقف قابلة للتفاوض. تتغير حدة العناوين بحسب المصلحة، وتختفي أسئلة كان يفترض أن تُطرح، وتنتهي معارك من دون تفسير. ويبقى القارئ آخر من يعرف لماذا اشتعل الغضب، ولماذا هدأ فجأة، وكيف أصبح خصم الأمس ضيفاً عزيزاً.
وحين يستعير هذا السلوك لغة القضايا الكبرى، يتضاعف الضرر. تُستدعى الوطنية لتغطية منفعة، والاستقلالية لتبرير تعسف، وحرية التعبير لصدّ أي مساءلة. ثم يصبح نقد صاحب المنبر اعتداءً على الصحافة كلها، كأن المهنة اختُصرت في شخصه.
المستبد الإعلامي يطلب من المجتمع حق السؤال، ثم يحرم منه العاملين معه.
هنا تتغذى التفاهة وتعيد إنتاج نفسها: حين تُكافأ الإثارة أسرع من التحقيق، وتدرّ الإهانة أكثر مما يدرّه التحليل، ويضمن الولاء ما تعجز الكفاءة عن ضمانه. وحين يرى الصحافي المجتهد أن سنوات العمل لا تمنحه ما تمنحه خرجة خرقاء لصاحبها، يصبح ميزان المكافأة نفسه موضع مساءلة.
«لقد حسم التافهون المعركة» عبارة تصف مرارة هذا المشهد؛ لكنها تتحول إلى هزيمة فعلية حين نقبل مقاييسه: الشهرة شهادة كفاءة، والثروة قرينة استحقاق، والخوف علامة احترام.
يبقى الامتحان في العمل المنشور، وفي طريقة معاملة الزملاء، وفي القدرة على قبول النقد، وفي الموقف حين تتعارض المصلحة مع المبدأ. هناك تنكشف قيمة صاحب المنبر، مهما أحاط نفسه بالألقاب والعلاقات ومظاهر الثراء.
قد يشتري التصفيق، وقد يفرض الصمت، وقد يجمع حوله من يكررون كلامه. لكن أول سؤال حرّ يكفي ليذكّره بأن سلطته أوسع من حجته.
وتلك هي ورطة التافه حين يصبح مستبدّاً: يحتاج كل يوم إلى إسكات الآخرين، كي يواصل تصديق نفسه.



















