لم يكن تعيين ماديحة خيير عضوا في الحكومة، في 16 أكتوبر 2026، كافيا لوضع حد لعضويتها بمجلس النواب، بعدما انتهت مهامها الحكومية بموجب ظهير شريف صدر بعد يومين فقط، وقبل أن يحيل رئيس مجلس النواب طلب معاينة حالة التنافي على المحكمة الدستورية. وبين التاريخين، تشكلت وضعية قانونية استثنائية جعلت توقيت إنهاء المهام الحكومية عاملا حاسما في تحديد مصير المقعد البرلماني الذي تشغله عن الدائرة الانتخابية المحلية بني ملال.
وتكشف حيثيات القرار رقم 294/26، الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 4 نونبر 2026، أن المؤسسة لم تنف نشوء حالة التنافي في وضعية خيير، بل أقرت بأن تعيينها عضوا في الحكومة أوجد وضعية تتعارض مع استمرار عضويتها بمجلس النواب، تطبيقا لمقتضيات المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب. غير أن المحكمة اعتبرت أن هذه الوضعية انتهت قبل إحالة طلب رئيس المجلس عليها، وهو المعطى الذي حال دون ترتيب أثر التصريح بشغور مقعدها.
وتكمن أهمية هذا التعليل في أن المحكمة ميزت بين واقعتين قانونيتين متعاقبتين؛ الأولى تتمثل في نشوء حالة التنافي بمجرد الجمع بين العضوية البرلمانية والعضوية الحكومية، والثانية تتعلق بمدى استمرار هذه الحالة عند تحريك المسطرة الرامية إلى إعلان شغور المقعد. فماديحة خيير عُينت عضوا في الحكومة يوم 16 أكتوبر، قبل أن يصدر ظهير إعفائها في 18 من الشهر نفسه، بينما لم يسجل طلب رئيس مجلس النواب لدى الأمانة العامة للمحكمة الدستورية إلا يوم 23 أكتوبر.
وبذلك، لم يكن الفاصل الزمني القصير بين التعيين والإعفاء مجرد تفصيل إداري في مسار التعديل الحكومي، وإنما تحول إلى عنصر مؤثر في التكييف القانوني للملف. فلو أحيل الطلب في ظل استمرار عضويتها الحكومية، لكانت المحكمة أمام وضعية تجمع فيها المعنية بين صفتين يمنع القانون الجمع بينهما. أما وقد انتهت مهامها الحكومية قبل إحالة الطلب، فقد اعتبرت المحكمة أن السبب الذي يبرر إعلان الشغور لم يعد قائما.
واستندت المحكمة في هذا التوجه إلى الغاية من المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، والمتمثلة في منع الجمع بين العضوية في المؤسسة التشريعية وصفة عضو في الحكومة. وهو تعليل يضع حدا فاصلا بين وجود حالة تناف خلال فترة زمنية محددة وبين ترتيب الأثر القانوني المتمثل في إنهاء العضوية البرلمانية، إذ لا يكفي، وفق قراءة المحكمة في هذه النازلة، إثبات أن حالة التنافي نشأت في مرحلة سابقة، ما دامت قد انتهت قبل إحالة الطلب عليها.
ويكتسب هذا التفسير أهمية إضافية عند مقارنته بباقي الحالات التي شملها القرار نفسه، إذ أعلنت المحكمة شغور المقاعد البرلمانية التي كانت تشغلها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وتسعة نواب آخرين عينوا أعضاء في الحكومة، بعدما توفرت في ملفاتهم الشروط التي اعتبرتها المحكمة موجبة لترتيب هذا الأثر. وهكذا، لم يكن التعيين الحكومي وحده كافيا لتوحيد مآل جميع الحالات، بل استحضرت المحكمة الوضعية القانونية لكل نائب على حدة.
وتطرح هذه النازلة، في بعدها الدستوري، نقاشا حول العلاقة بين واقعة التعيين الحكومي واستمرار حالة التنافي، من جهة، وبين توقيت إحالة الطلب على المحكمة الدستورية، من جهة ثانية. فهل يتعلق الأمر بمجرد معاينة واقعة قانونية سابقة تستوجب ترتيب أثر الشغور، أم أن استمرار الجمع بين الصفتين عند تحريك المسطرة يمثل عنصرا ضروريا لتفعيل هذا الأثر؟
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن المادة 14 تحدد أجلا قانونيا لتدخل المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس النواب، دون أن تنص عبارتها صراحة على أن استمرار حالة التنافي إلى تاريخ تسجيل الطلب شرط مستقل. وهو ما يجعل تعليل المحكمة بشأن الغاية من المنع ومنع الجمع بين الصفتين مدخلا أساسيا لفهم قرارها، وموضوعا قابلا للنقاش في الفقه الدستوري والقانوني.
كما يثير القرار مسألة التمييز بين إنهاء حالة التنافي ومحو آثار الفترة التي نشأت خلالها، فإعفاء ماديحة خيير لم يلغ واقعة تعيينها السابقة ولا ينفي أن وضعيتها كانت متعارضة مع مقتضيات القانون خلال الفترة التي جمعت فيها بين الصفتين، وإنما اعتبرت المحكمة أن انتهاء تلك الوضعية قبل إحالة الطلب لا يبرر التصريح بشغور المقعد.
وتكشف قضية ماديحة خيير أن التفاصيل الزمنية قد تكون حاسمة في المنازعات الدستورية المرتبطة بالعضوية البرلمانية، وأن الانتقال من حالة التنافي إلى التصريح بالشغور لا يتم بمعزل عن الشروط والمساطر التي يحددها القانون التنظيمي. كما يبرز القرار أهمية توقيت إنهاء المهام الحكومية وتوقيت إحالة الطلبات على المحكمة الدستورية، باعتبارهما عنصرين متداخلين في تحديد المآل القانوني للمقعد البرلماني.



















