متابعة
طغت إشكالية الرقابة في أشكالها الحديثة على النقاشات التي احتضنها مهرجان الداخلة الدولي للفيلم في دورته الـ14، حيث تم تسليط الضوء على التحولات التي تعرفها حرية الإبداع السينمائي في مختلف مناطق العالم، في ظل تداخلات متزايدة بين التمويل، التكنولوجيا، ومنصات العرض.
وخلال الندوة الفكرية الأولى للمهرجان، الممتد إلى غاية 12 يونيو، ناقش نقاد وصناع سينما إشكالات الرقابة المالية التي تفرضها شروط الحصول على الدعم والإنتاج والتوزيع، إلى جانب ما بات يوصف بـ”الرقابة الخوارزمية” المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات العرض الرقمية، التي تؤثر بشكل غير مباشر على ما يُنتج وكيف يُعرض.
وأكد الناقد والسينمائي فؤاد سويبة، الذي أدار اللقاء، أنه “لا وجود لإبداع حقيقي دون حرية”، مشددا في المقابل على مسؤولية السينمائيين في مواجهة الرقابة الذاتية التي قد تتضخم حتى في سياقات قانونية تسمح بحرية التعبير، وهو ما يضع الفنان أمام تحديات داخلية لا تقل تعقيدا عن القيود الخارجية.
من جانبه، قدم محمد بلغوات، الخبير في تقنين الاتصال والسينما، قراءة في الإطار القانوني المنظم لحرية الإبداع بالمغرب، متوقفا عند دور القانون 18-23 في تأطير إنتاج واستغلال وتوزيع الأعمال السينمائية، محذرا في الوقت ذاته من اتساع دائرة الرقابة الذاتية الناتجة عن ضغط السوق واشتراطات الممولين والجمهور والإعلام.
واستحضر الناقد السينمائي سعيد مزواري، في مداخلته، تاريخ العلاقة المتوترة بين السينما والرقابة عبر العالم، مشيرا إلى محطات بارزة في مسار الفن السابع منذ بداياته، حيث ظلت القيود المفروضة على الإبداع حاضرة بأشكال مختلفة، حتى في أكثر السياقات انفتاحا. كما توقف عند تجارب سينمائية مغربية واجهت حساسيات مجتمعية دون قرارات منع مباشرة.
أما المخرج هشام العسري، فطرح رؤية مغايرة، مؤكدا أنه لا ينطلق في أعماله من هاجس تحدي الممنوع، بل من رغبة فنية في سرد الحكاية بصدق، معتبرا أن السينمائي ليس “مناضلا بقدر ما هو شاهد على زمنه”، وأن الصدام مع الجمهور أو الرقابة ليس غاية في حد ذاته.
وخلصت النقاشات إلى أن الرقابة لم تعد محصورة في بعدها المؤسساتي التقليدي، بل أصبحت تتخذ أشكالا جديدة وأكثر تعقيدا، خاصة مع صعود المنصات الرقمية وأنظمة الخوارزميات، التي باتت قادرة على التأثير في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الفني بطرق غير مرئية.
وتأتي هذه الإشكالات في سياق عالمي يشهد تحولات متسارعة في صناعة السينما، مع تنامي الإنتاجات المشتركة وتغير أنماط الاستهلاك وتوسع منصات العرض، ما يعيد طرح أسئلة جوهرية حول التوازن بين حرية الإبداع وضوابط التنظيم في زمن رقمي متحول.





















